قراءة أولى في رواية الأديب عبد الحفيظ الخميري”الخضراء والسّنوات العجاف”

قراءة أولى في رواية الأديب عبد الحفيظ الخميري”الخضراء والسّنوات العجاف”

أو: جينيالوجيا الاختيار والجرح المفتوح”

الجزء الأول

عندما يتحوّل فعل الكتابة إلى مشهد صادق يعكس معاناة الذّات الإنسانيّة عندها فقط تكفّ الرّواية انغلاقها على الذّات الفرديّة والتّفرّديّة بمعنى أنّها تتوقّف عن أن تكون مجرّد تجربة ذاتيّة لتنفتح على الأنا الكلّيّة أي الذّات الواحدة أو البيذاتيّة في تنوّعها واختلافها حتّى ترتقي إلى أن تعبّر عن كلّ تجربة فيكون فعل القراءة في جدلية متواصلة بين الأنا الفرديّة والآخر الكلّيّ لا الكلّياني في إطلاقيّته وتوحّده.

لذلك فإنّ رواية “الخضراء والسّنوات العجاف” أو كما يحلو لي أن أسمّيها “ملتقى الجرح المفتوح” لا تعكس فقط تجربة “قاسم أو أسير عبد الجواد أو إسلام” بل هي فعلا ارتقت إلى أن تحرّك داخل القارئ جملة من الأسئلة أو وابلا من التّساؤلات الّتي أتعبت جيلا كاملا وأرهقت المنتظم وغير المنتظم، فإن نجحت الأنظمة العربيّة في شيء على اختلافها في القضايا المصيريّة فإنّ توحّدها واحد في الظّلم والاستبداد وعبثيّة التّخطيط والتهميش، نجحت إذا في خلق عزوف عن ممارسة الفعل السّياسيّ لدى أجيال كاملة حتّى إنّ الكلام في الشّأن العامّ أصبح يرهق الأغلبيّة إذا لم نقل الكلّ باعتبار أنّ الشّأن العامّ هو سياسة أو هو فعلا ما نجحت الأنظمة في اعتباره من اختصاصها وكلّ محاولة حتّى “لمداعبة” الشّأن العامّ هو خروج عن القانون وهتك لشرعيّة السّلطان والسّلطة ومساس بمجال تحرّكها: أي أنّه تجاوز الاجتماعيّ (المجتمع ومؤسسات المجتمع المدني) أي السّياسيّ (السّلطة وآليات اشتغالها.)

ولعلّ كلّ الرّواية في مختلف تطوّر الأحداث وتشابك تفاصيل المسيرة هي بكيفيّة ما بحث في هذه العلاقة بين الاجتماعيّ والسّياسيّ: هل أنّ هذا الانفصال حتميّ؟ هل أنّ بنية العقل الأمنيّ العربيّ عامّة هي أحادية بالضّرورة؟ هل هذا الجدار الّذي أقيم منذ السّنوات الأولى أو منذ فجر الاستقلال مع نشأة الدّولة العربيّة المدنيّة يجد شرعيّة أو منطقا ما يبرّره؟ هل أنّ “مساحة الوطن” قدرها أن تتحوّل إلى سجن تُلجم فيه الأفواه وتُهتك فيه “الحرمات”؟

أليس الأمل أنّ السّياسيّ امتداد للاجتماعيّ ويستمدّ أسباب وجوده واستمراريّته وشرعيّته منه؟ إنّ هذا الانقلاب في العلاقة الأصليّة واستتباعات هذا الانقلاب هو “الخضراء والسّنوات العجاف”.

( الوجود) ( ما أصل…….)

1)  جدليّة الأنطولوجي والجنيالوجي في الرّواية 

الكتابة وحدها تصلنا بالمفردات لأنّها فنّ الولوج في الحياة فهي تبشّر بالمستقبل فمنذ بداية الرّواية هذه الصّرخة انطولوجيا (وجوديّا) لسليم المعتوه ص 20: “المدينة ستغرق…المدينة ستغرق…وسوف لن نرى الشّمس لزمن طويل…يا أهل القلعة فات الأوان…فات الأوان.”

في مستوى أوّل سنتوقّف عند صرخة المعتوه، المفارقة الأولى في الرّواية ـ لأنّ الرّواية قائمة على جدليّة متواصلة من المفارقات والثّنائيّات ـ تتلخّص في أنّ المعتوه هو الّذي أدرك والإدراك ليس مجرّد إحساس بل هو عمليّة تعقّل في مستوى راق للفعل المعرفيّ ولكن عندما يقترن بشخص المعتوه ويتعلّق بالمستقبل يكون نوعا من الحدس أو نوعا من الإيمان الصّوفيّ في أبرز تجلّياته. ولكنّ ما هو مضمون هذا الإدراك “المدينة ستغرق وسوف لن نرى الشّمس” ليس هذا فقط المشكلة أو المفارقة أنّه قد “فات الأوان”؟ أي أنّ حتّى الحدس الصّوفيّ أدرك الفعل متأخّرا، أدرك الحقيقة متأخّرا. ماذا يعني ذلك في مستوى الممارسة السّياسيّة: الواقع قد اكتمل والمأساة حتميّة والمعاناة لا مفرّ منها وطريق الهجرة أو المنفى أصبح هو المصير. هل أنّ الوجود ذاته وجود المثقّف العربيّ على اختلاف انتماءاته وتوجّهاته هو وجود متأصّّل في هذه المأساة ولا مفرّ من خوض هذه التّجربة وبهذه الكيفيّة ذاتها؟ فصرخة المعتوه ليست فقط مأساة “قلعة العطش” بل هي مأساة شعب، مأساة بلد، مأساة أمّة بكلّ بساطة ولكن بكلّ مرارة لأنّها مأساة الفرد، مأساة المثقّف الّذي يئس من النّظام والسّلطة فأراد أن يحلم بالانتماء، بالتّنظيم “ليغيّر، ليحوّل الاستبداد إلى عدالة والظّلم إلى حرّيّة والظّلام إلى نور” ولكنّ ” الحالم” ليس هو الفارس ولا القائد فهو واع بحدود القدرة الشّخصيّة الفرديّة إذا لا بدّ من الآخر لتجاوز هذا العجز والآخر لن يكون غير “التّنظيم” باعتباره شكلا سياسيّا يعكس درجة ما من الممارسة السّياسيّة.

ولكن، هل هذا الانتماء هل هو واع بالممارسة السّياسيّة والتنظّم واستتباعاته أم هو ناتج عن فعل متهوّر، عن يأس من النّظام، هل هو مجرّد هروب من النّظام للارتماء في أحضان التّنظيم؟ أي ما هي جينيالوجيا هذا الاختيار، ما هو أصل وطبيعة هذا الانتماء؟

ص “40″ “أنا ثائر أحمق ومناضل مجنون يركب حمار الأمّة المدبور.” “أنا أحمق حين سلّمت نفسي لقادة التّنظيم.”

إنّ الرّهان الأساسيّ أو المسكوت عنه بلغة “فوكو” داخل كامل الرّواية وهو الّذي يحرّك كلّ انفعالات أبطالها، هو مسألة الاختيار أو بمعنى أدقّ هو عبثيّة الاختيار. فالانتماء ذاته متماثل مع الجنون بل إنّه يتشكّل في غياب عمليّة تفكيك أو تحليل لآليات اشتغال التّنظيم إنّه وبكلّ بساطة تغيير من مراحل الوعي الأوّليّ في درجة الإدراك الحسّي أي لم يرتق إلى أن يكون وعيا كلّيّا بكلّ أبعاد التّجربة. إنّه انقياد ليس للتّنظيم فحسب أو بدرجة أكثر حمقا “لقادة التّنظيم.”

إنّ لحظات مساءلة الذّات هي اللّحظات الأكثر وجعا في كامل الرّواية فتتكسّر الصّورة الجماليّة بل إنّها تتمزّق في بعدها الرّمزيّ لتكشف لنا مرارة الواقع، مرارة الوجع والخيبة إذ يمكن أن نقول إنّه كلّما تحوّل الخطاب داخل الرّواية إلى خطاب مباشر أي إلى متنفّس لأحد أبطالها إلاّ واختلّ التّوازن الجماليّ لينفتح على لوحة لا جماليّة تعكس مدى تماهي النّظام والتّنظيم والاختيار فكلّهم واحد لدى شخوصنا ” من أكون أنا هذا الطّريح على فراشي، فراش المنفى وفراش المرضى.” ” العقل العربيّ سواء كان في السّلطة أو في المعارضة يظلّ واحدا، يظلّ الاستبداد حقيقة، هذا العقل رغم تنوّع الأقنعة”.

يتبع

 

 

محنة المثقف العربي من خلال رواية : ” الخضراء والسنوات العجاف “

محنة المثقف العربي من خلال رواية : ” الخضراء والسنوات العجاف “

                                                                                         نجمة سيّد أحمد

 

من السّنن المتواترة لدى أهالينا في هذه الرّقعة الإسلاميّة الشّاسعة رثاءُ ما فات وندْب كلّ زمن بان، اعتقادا راسخا في أنّ الفائت خير من القابل وأنّ ما في القفا خير من الّذي إزاء النّظر.

ولئن كان في العقول الكيّسة بعض شكّ في رجوح مثل هذا الرّأي، وإن كان العقل يفنّد القول بأنّ الخير والشّرّ قد خُصَّ بِهما عصرٌ دون عصر أو غُرِسا في مصر متميِّزٍ عن مصر، فإنّا مع ذلك نردّ المرتاب إلى “خضراء” الخميري علّه يتبيّن تنكُّبَه الحقيقةَ  وجنوحَه عن الصّواب.

نعني أنّ الرّواية في ظاهرها طرْح لقضيّة تونسيّة قد تتعلّق بالإسلاميّين خاصّة، بيد أنّها في عمقها تتناول بأنامل النّقد محنةَ المثقّف الْواعي يقِظِ الجَنان فيما حواه الخافقان من تراب إنْ قديما أَوْ حديثا، غير محصوريْن في ساعة محدودة أو سلطان معيّن.

بل هذا أديبنا نفسه – وهو أخ عزيز نعرفه حقّ المعرفة- متى أخذنا عليه تشعُّبَه بين أفكار متشابكة يستغلقها القارئ استغلاق السّاري سبيلَه في أرض شَعْراء، إلاّ واستنجد بأبي حيّان التّوحيدي، مستشهدا بذا القول أو ذاك من “الإمتاع والمؤانسة”، مُتَمَثِّلاً به في مَوَاقِفِهِ وظُرُوفِهِ كَمَا لَوْ كَانَ المرجعَ المطلقَ في مأساة المثقّف. كأنّما صاحبُنا شاهدٌ تَكرارَ التراجيديا وتماثلَ الظّروف بين ذلك المغبونِ حقَّه لدى ابن العميد، المبخوسِ قدرَه عند الصّاحب ابن عبّاد، وبين شخصِه هو تحت وطأة دولة البوليس.

 إنّ المتمعّن في رواية عبد الحفيظ خميري لا يستعرض شتات المعارضة التّونسيّة هنا وهناك من مضارب العالم فحسب أو في حلكة السّجون لا غيْرُ بل يتسنّى له بِأَقْصَى نَظَرٍ أنّه يستعرض تاريخَ أمّة برمّته ومصيبة المسلم المفكّر من لدُنِ نشأة الدّولة الإسلاميّة إلى ذا الحين، بل هي مصيبة الفيلسوف صاحِي الْفُؤَادِ، متّقد الضّمير من الأزل إلى يوم الدّين هذا حتّى شككنا في أن تكون للرّواية نهاية!!…

فما الفرق بين أن يُصاب شابٌّ قد استقام في قلبه وفؤاده في زيتونة اليوم وبين عبد الله بن المقفّع في دمشق بني أميّة؟ أما تحرّشت السّياسة بذا فَنَفَرَ كالوحش الأبكم عبر الجبال وبينما أُطِيح برأس ذاكَ حماية “للأمّة” من زنديق قد تجاوز حدود الكلام المباح والتّفكير المتاح أم تراهُ حمايةً للْمُلْك من “أَدَبِ الملوك” لأنّ الإطاحة بالرّأس إطاحة بالعقل عدوّ الدّولة اللّدود واجتثاث للضّمير موقظ الرّعيّة من الخفّاش الّذي يصطاد الهوامّ في ظلام اللّيل وذلك مَثَل ضربه عبد الرّحمان الكواكبيّ عليهم رحمة الله جميعا.

ما الفرق بين أسير عبد الجواد ينفُذ بعقله في الأوسطِ والأقصى أو يوسف قاسم يقتحم كثبان بَرْقَةَ هائما تائها لولا أنْ شفعَ له الموْلى ببعضِ العربان أسعفه في تلك الفلاة، وبين عبد الرّحمن بن خلدون يؤثر كهفا من كهوف الْوَنْشَرِيسِ على بَهاء القيروان، يخطّ في بُرُودَتِهِ “مقدّمتَه” بين الوحوش والضّواري، قانعا بما يقوته به بعض الجيران الأمازيغ قبل أن يَفِدَ الأقصى فَيُتوَفّى بمصر مجهول القبر؟ أما شابهه الأشعثُ الشّريد في فرنسا بين عزلة الفكر ووحشة الصَّدْرِ قبل أن تُداهِمَهُ شعُوبُ فَتَخْرِمَ عُودَه فينقلب إلى أهله في صندوق أَصَمَّ لا يحِنُّ ولا يئنُّ؟

لا جَرَمَ أَنَّ هذا المكان ضيِّقٌ غيرُ رَحْبٍ لِسَرْدِ جميع أسماء المضطهدين عبر أحقاب دولنا الحاكمة. بيد أنّ مَثَلَ ابنِ سينا يفرّ الخطر الدّاهم في أرضه بخارى قد يكون هاهنا كافِياً فهل سلِم في المشرق العربيّ؟ وقد أصيب ابن رشد في نفسه وكرامته ما أصيب فقلنا:”مُتَمَنْطِقٌ تَزَنْدَقَ” فما شأن الإمام بن مالك يجلد بالسّوط ومثله ابن حنبل وكلاهما شيخ شائب المفرق حتّى ضُرِبَ بهما المثل؟ إنّما القضيّة قضيّة المثقّف في هذا الوطن الفسيح العريق تجاه السّياسة ورجُلِها. أجل، القضيّة قضيّة رجل العلم والمبدإ إزاء رجل السّياسة والسّلطة والحكم. أو الحجّاج حجّاجُ زمنه فقط؟ أو يزيدُ بن معاويّة نسيجُ وحده؟ كلاّ بل هي حلقة واحدة مستديرة محاورُها الأنبياء فورثتهم الْعُلماء فَأَخْلافُهُمُ المثقّفون باعثو النّفوس الخامدة من الأجداث الخاوية

هذا ولنتوقّف لحظة عند ظروف يوسف وأسير المعيشيّة في المهجر لا غَرْوَ نجدها قَرِيبةً من ظروف الأسلاف. فقد افتقر المثقّف في عصور الانحطاط وأَعْوَزَ، وربّما تدنّى إلى بيع الجزور على الدّروب، وهذا أسير الطّامح إلى الأستاذيّة، الحالم بحلقة الطّلاّب به يَحِفُّونَ في قبس نورانيّ حتّى إنّ النّاظر ليخالهم الكوكب الدُّرِّيّ حوله النّجومُ، يجدْ نفسه حارسَ موقف سيّارات في مدينة الجنّ والملائكة!

أما حدث أن اتّقى بعضُ المثقّفين المسلمين بِديار الإفرنجة اضطهادَ السّلاطين فعصفت بهم الجوائح حتّى اضطرّوا إلى خدمة شارلمان وإخوته في الأصاطب؟ بلى حدث ولكنّ التّاريخ ما حفظ لنا سوى أسماء شرذمة كرّمتها ملوك الغرب كيحيى بْنِ حَكَم الغَزَال في حين أمسك عن الّذين ربّما كانوا يتاجرون بالنّعال والعطور العربيّة في أسواق باريس وروما. ذكر غُوسْتاف لوبون أنّ غير واحد من المغاربة عُنُوا بِخيول الإفرنجة وبيّضُوا لهم السّيوف وحاكوا لهم الطّنافس قبل أن يلقِّنُوهُم الصّنعة فتغْدُوَ مِلْكَهم. بل وكانوا لديهم جندا وعسكرا فلعمري كم من مثقّف حاصرته الأقدار في صفوفهم واجتاحته الأمواج العاتية فيما اجتاحته أم أنّه سؤال غير وارِد؟! بلى وربّي وارِد ومعقول فما الّذي يكون قد وصل بهم إلى ذلك الدّرك هم أخدانَ القلم وندماءَ القرطاس؟!

إنّما “الّلِي يقول كلمة الحقّ يرحل من الدُّوَّار” كما يقول المثل الشّعبيّ أو”الّّلي يقُلْ كلمة الحقّ يُقطَعْ رأسه” وهَذي الخضراء ما تزال تشهد بحقيقة تلك الكلمة وسَيْرُورتها فيما تزمّر أبواق حقوق الإنسان في كلّ مكان

على أنّ السّؤال يعود ويراودني بإلحاح: هل من اختلاف جوهريّ بين المأمون المعتزليّ وتجبّره بِمعارضيه غاية الاجتثاث وبين المرابطين يحرقون “إحياء الدّين” ويتشدّدون على الفلاسفة فَما يحدث في حقّ المعارضة التّونسيّة من اضطهاد؟

ثُمّ أيّ تَبايُنٍ فِعْلِيٍّ بين عبد الحفيظ خميري أو بطليه اللّذين توارى خلفهما في “الخضراء” وبين الشّيخ عبد الرّحمن المجذوب المغربيّ أو الشّلاليّ الجزائريّ ومن إليهما من الشّعراء الشّعبيّين – وقد لقّبهم البعض بالدّراويش- يقطعان الصّحراء الكبرى راجلَيْن، زارعيْنِ أبياتهما بين الواحات، لا يريم لهما حال كأنّ خلال برنسيْهما جمراً يتوهّجُ؟ أما نَقَدَا فانتُقدا؟ أما هوجما وهُدّدا؟ أما شُرّدا وقاسَيَا؟ أما صُرَّا وجاعا؟ أما شابهت حالهما حالَ صعاليك الجاهليّة يؤثرون جِوَارَ مَهَا الفلاة عَلى بني جلدتهم؟ بل أَما كانَ طرفة بن العبد وأبو القاسم الشّابيّ وأسير ويوسف جميعهم شبابا اشتعل في صدورهم الشِّعرُ ثورة على الخنوع والرّكود بين ذَوِيهِمْ؟

بل هو دولاب الزّمن خالفتْ أضراسُه - وهي تدور على نفسها – بين مواقعِ أولئك. وإنّها لمعضلة أن نكتشف أنّه لا شيء جِذريّا تغيّر من معاملة حكّامِنا للمثقّف وقد كان شِعارُ العقْل والْحِكْمَةِ أَنَّهُ” لا حالَ يدوم على حال” وإنّها لمعضلة أنْ تكونخضراء” و”سنوات عجاف“…

 

رأي في رواية ” الخضراء والسنوات العجاف “

رأي في رواية ” الخضراء والسنوات العجاف

الإمضاء : أبو الأنوار

الأستاذ عبد الحفيظ خميري مؤلف رواية “الخضراء والسنوات العجاف”، قد نجح في سرد وتشخيص آلام المفكر العربي بطريقة جذابة وواقعية بعيدة عن دون مجاراة السلطة أو الأمر الواقع، فعلا لقد نجح خميري في فك خيوط وأسباب معاناة المفكر العربي من القهر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ولم ينس الفقر العاطفي، إذ المفكر لا ينجح حتى في إيجاد صدر حنون يلجأ إليه حينما تعصف به المحن والمصائب، فالمفكر العربي كما جاء في هذا الكتاب الرائع يبقى دائما ضحية الواقع المملوء بالمتناقضات وغياب المبدأ والحرية، حتى في الأمور الشخصية البديهية كالحب لا ينجح فيها المفكر العربي ناهيك عن غربة الدار والأهل..  

 

 

رأي شخصي في رواية: الخضراء والسنوات العجاف

رأي شخصي في رواية: الخضراء والسنوات العجاف

 

                                                                               الإمضاء:  لينة    

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بدايةً ، أكرر ما أوردت في العنوان إذ أنه ( رأي ) وليس نقد فنحن لم نرق إلى ذلك المستوى بعد .

لا أدري كيف أبدأ ، لكني بالفعل ذهلت للغة العربية الراقية الناصعة التي نسجت الرواية وأحسب أنك فقت أقرانك من الأدباء في مجال الرواية ، فالألفاظ كانت منتقاة بعناية - وأنا لا أعني التكلف - إذ أن العاطفة الصادقة هي التي أبطلت هذا الاتهام ، أما عن الصور والتشابيه و ما يلحقه من علم البيان فقد أبدعت بحق ! نعم فكل صورة ترسم لوحة تتراءى أمام مخيلة القارئ لتصور له المشهد بدقة وكأنه يعرض أمامه على شاشة التلفاز. وبينما نحن نرى يوسف الذي يكابد عناء مواجهة المصائب برباطة جأش و تحميل النفس على الصبر ، لمسنا الحزن و الأسى الشديد في نفس أسير عبد الجواد وخاصة خلال فترة تصبره على مرضه . طريقتك في بداية و ختام كل فصل أبهرتنا، فبالإضافة لمجريات الرواية قد نجحت في جذب القارئ في بداية كل فصل باستشهادك بأقوال مأثورة. ولم يخف علينا أبداً الأبيات الشعرية التي تخللت النص الأدبي، كذلك المفردات القرآنية المسخرة بطريقة رائعة جداً. إذاً حري بنا أن نقر بمهارتك الفذة في تطويع اللغة العربية في مجال الرواية .

 

أخيراً ، لا يخفى على كل قارئ مدى صدق العاطفة في هذه الرواية ، فقد صورت الظلم الذي تعرض له من كان له نصيب فيه بأدق صورة …. فلا بد لكل شمس بعد أن ينطفئ نورها من أن تظهر من جديد ، كذاك الحق .

نتمنى لك المتابعة في هذا المجال فالمستقبل واعد أمامك بإذن الله تعالى .

أهنئك وأبارك لك نجاحك الباهر في هذه الرواية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ورقات نقدية لرواية “الخضراء والسنوات العجاف” للأديب التونسي عبد الحفيظ خميري

ورقات نقدية لرواية ” الخضراء والسنوات العجاف

للأديب التونسي عبد الحفيظ خميري

 

حسن الطرابلـسي



تتحدّث رواية “الخضراء والسنوات العجاف” للأديب والسياسي التونسي المقيم في باريس عن قصة طالبين أحدهما ينتمي إلى الأكاديمية العسكرية وهو يوسف قاسم والآخر هو أسير عبد الجواد طالب بكلية الآداب.

تعرض يوسف للاعتقال والتعذيب والسجن وشردت عائلته وفقدت دفئها وأمنها، واستطاع يوسف بعد قضاء سجنه أن يفر من تونس ليعيش في المنفى والغربة وقادته الأقدار، بعد رحلة طويلة عبر ليبيا ودول إفريقية، إلى لندن حيث التقى بحبيبة الشباب إسلام وجدَّدا حبهما. وأما أسير فلقد استطاع أن يفر إلى الجزائر ومنها إلى باريس ليعيش فيها حياة قاسية: فقر ووحدة ويأس، شهد فيها أهم الصراعات في حياته مع نفسه ومع التنظيم الذي اعتبره سبب المحنة. وتشاء الأقدار أن تجمع بين البطلين بعد وفاة قريب إسلام زوجة يوسف في أحد مستشفيات باريس، هذا الذي أوصى أسير بالاتصال بأهله، وهو ما يسَّر للقاء البطلين واجتماعهما وحوارهما وتنتهي الرواية بخروج نصر الدين، أحد إخوة يوسف، من السجن.

وهكذا جمعت الرواية بين بطلين اشتركا في المحنة واختلفا في طريقة التفاعل معها وراوحت أحداث الرواية بين الألم والملحمية، بين الحب والفراق.

صدرت الرواية عن دار النجم العربي بباريس بداية سنة 2009 إلا أنّ أحداثها تعود إلى توصيف سنوات محنة الحركة الإسلامية في تونس لتلقي الضوء على أزمة السياسية والدين في هذا البلد ولتحيلنا على عذابات الغربة والوحدة في المنفى.

 

1 ـ تقديــم الروايــة

أبطــال الروايــة

 

يوسف قاسم وهو البطل الرئيس، شاب ينتمي إلى عائلة محافظة، طالب في الأكاديمية العسكرية، متدين وليس له انتماء سياسي ولكنّه تعرض للاعتقال والتعذيب المفرط ثم السجن. استطاع بعد قضاء سجنه أن يفر من تونس ليصل إلى لندن بعد رحلة طويلة عبر إفريقيا. بالسجن فقد يوسف الدراسة والحبيبة ووجد في سلوى العزاءَ، ثم سافر إلى المهجر حيث التقى من جديد بإسلام وجدد حبه وتزوجها.

أسير عبد الجواد وهو البطل الأساسي الثاني للقصة، طالب بكلية الآداب بمنوبة، منتمٍ إلى تنظيم الزيتونة الذي يرمز إلى حركة النهضة، استطاع أن يفر عبر الحدود إلى الجزائر ثم المغرب وموريتانيا ومن ثمة إلى باريس ليعيش حياة الشظف والفقر والملحمية، فهو فَقَدَ الحبيبة وفقد التنظيم وذاق ويلات الفقر والوحدة في باريس بحيث لم ير من أنوارها شيئا بل وجدها كالحة الوجه فتعمق لديه شعور الإحباط واليأس. وأسير يذكّرنا كثيرا بشخصية راسكولنيكوف لدوستيفسكي في “الجريمة والعقاب”.

سلوى ميلاد ممرضة زميلة يوسف في الدراسة الثانوية وقفت إلى جانبه أثناء المحنة التي تعرض لها ثم تزوجا وأنجبا مولودا وهو ضياء، مرضت أثناء فرارهما من تونس، وتوفيت في لندن.

إسلام درست مع يوسف وكانت بينهما قصة حب كبيرة انتهت فجأة بسفر إسلام مع والدها الملحق الثقافي إلى دولة إفريقية، ولكنها التقت صدفة بيوسف في لندن بعد سنوات عديدة وبعد وفاة زوجة هذا الأخير ليجددا حبهما وليتزوجا.

نصر الدين، وهو أخ ليوسف قاسم من أبناء حركة الزيتونة، أي النهضة، عذب وحوكم وسجن عشر سنوات.

صالح الدوري مشرف “الجهاز الخاص” لتنظيم الزيتونة

مهدي مفتاح، صديق يوسف وهو أيضا ضابط طالب، وهو حلقة الوصل بين الخلية العسكرية وتنظيم الزيتونة

سكينة قاسم، أخت يوسف قاسم، ناشطة في حركة الزيتونة، عذبت كثيرا وسجنت، ويسر الله أن تخرج من السجن كريمة وشريفة.

الأشعث أو وحيد، هو قريب إسلام، دكتور في الفيزياء، مثقف ومُسَيَّس، عضو سابق في حركة الزيتونة، حوكم غيابيا في تونس منذ بداية الثمانينيّات على ما يفهم من سياق الرواية. وهو شخص غريب الأطوار، أشعث، أغبر، فقير وفيلسوف حكيم… كانت وفاته السبب المباشر الذي قاد إلى لقاء البطلين يوسف وأسير.

 

شخصـيات اعتباريــة

 

حزب الزيتونة ويرمز به الأديب على الأرجح إلى حركة النهضة

اتحاد الطلبة ويقصد به الكاتب الاتحاد العام التونسي للطلبة.

التنظيم والأرجح أن الكاتب يقصد به تنظيم حركة النهضة في المهجر

سجن العفاريت يمكن أن يكون سجن 9 أفريل الذي مرت عليه كل أجيال المعارضة التونسية

 

2ـ الملاحــظات النقديـــة

 

تتعدد المواضيع التي تعرّض لها الكاتب في روايته وتتداخل وتحيلنا إلى قضايا جديدة في الرواية السياسية التونسية كما أنها تضفي على التجربة التونسية أبعادا جديدة لم يتم التعرض لها سابقا لأنها تفتح بوابات جديدة تصف حياة التونسيين في المهجر وتحاول أن تنقلها بشكل دقيق وأمين وتقودنا بالتالي إلى التأريخ لتجربة لم يلتفت إليها الأدب التونسي رغم العدد الهائل للاجئين التونسيين منذ ما قبل الحقبة الاستعمارية. فرغم مذكرات محمد بيرم التونسي وكتابات خير الدين ونضال عبد العزيز الثعالبي ومعارضة اليوسفيين وعلى رأسهم صالح بن يوسف ثم تمرد الماركسيين واليسار وأخيرا وليس آخرا عذابات الإسلاميين بقيادة حركة النهضة التونسية منذ بداية الثمانينيّات حيث شُوهدت موجات كثيرة من الهجرة المتتابعة لرموز إسلاميين منهم الشيخ عبد الفتاح مورو والشيخ راشد الغنوشي دون نسيان مئات بل آلاف الطلبة والعمال والمعذبين الذين غامروا في زوارق الموت فرارا من بلد أصبح لا يتسع لأبنائه فإن الحركة الفكرية لم تنتج أدبا روائيا يذكر، فكانت حياة التونسي المَنْفِي والمهجّر مجهولة حتى بين أبناء بلده الذين سيطرت عليهم فكرة أن أوروبا أمان ومال، موز وعصير، سيارة فاخرة وحسناء جميلة.

خميري استطاع أن يحيلنا إلى بعد جديد، استطاع أن ينقل لنا تجربة هذا المنفي في شكل أدبي جذاب ومثير.

وفي هذه الملاحظات النقدية سنركّز أساسا على الأبعاد الجديدة التي أثارها الكاتب في روايته، لنجد أنها تحيلنا إلى الحديث عن المثقف والسياسي الإسلامي التونسي، عن آلامه، عن عذاباته وأحزانه عن أزماته وأيضا عن تمرده ويأسه، عن تردده وشكه، محاولين قراءة ذلك ضمن تجربة المنفى لدى المثقف التونسي منذ بيرم التونسي. كما أننا نجد الكاتب يحيلنا إلى بعد جديد في جغرافية هذا المنفى فبعد أن كانت باريس وبدرجة أقل ألمانيا وسويسرا قبلة المنفيّ والمغترب التونسي نجد الكاتب يضيف مركزا جديدا للمهاجر التونسي وهو لندن والذي ضم مجموعة من اللاجئين السياسيين الإسلاميين وعلى رأسهم الشيخ راشد الغنوشي لتتحول لندن بذلك إلى قبلة جديدة لم يعرفها السياسي التونسي بهذا الحضور من قبل. كما نجد الكاتب يحدثنا عن إشكالات الزمان والإنسان وما فيه من ضغط وصحة، من أمل ويأس، من فرح وحزن، من راحة وتعب الخ .. مع ما يصاحب ذلك من نشاط في الفكر والسياسية وفيه نتحدث عن موقف الكاتب من الواقع السياسي التونسي وعن الموقف من التنظيم أي النهضة في المهجر لنقيّم طبيعة هذا الموقف ما له وما عليه.

كما أننا سنتعرّض لبعض الصور الأدبية بالدراسة المختصرة ثم نختم بملاحظات نقدية رأينا أنها ضرورية

 

1 ـ المثقف التونسي: من بيرم التونسي إلى عبد الحفيظ الخميري

 

الهجرة والغربة ليستا من المواضيع الجديدة على المواطن والمثقف التونسي وهما ولئن تعددت أسبابهما فإنهما تقودان في النهاية إلى فقدان التونسي لدفء الوطن ودفء العائلة والأصحاب والدفع به إلى تجربة جديدة يصطدم بها أول ما تغادر قدماه أرض الوطن وتحلان بأرض جديدة تفرض عليه أولويات جديدة وقضايا جديدة،

فمنذ محمد بيرم التونسي (1256 ـ1307 هـ/ 1840 ـ1889) العالم والرحالة المؤرخ الذي سافر من تونس إلى أوروبا ثم إلى الأستانة ومنها إلى القاهرة حيث توفي هناك، إلى الشيخ راشد الغنوشي مرورا بخير الدين باشا، وعبد العزيز الثعالبي ومحمد علي الحامي ومنصف الباي وصالح بن يوسف ثم موجات المهجرين الإسلاميين منذ بداية الثمانينيات وهجرات الشباب التونسي الباحث عن لقمة عيش كريمة في السنوات الأخيرة نجد أن السلطة الحاكمة، استعمارية كانت أم “وطنية” تضيق بأبنائها المثقفين مما يدفع بهؤلاء اختيارا أم اضطرارا إلى مغادرة البلاد والبحث عن موطن تتنفس فيه الكلمة عبق الحرية. إن الذي دفعني إلى الإشارة إلى هؤلاء الرواد هو الصفة التي تجمع بينهم وبين أبطال “الخضراء” فهم مثقفون هجروا البلاد ليعيشوا تجربة الغربة المرة.

والكاتب يصوّر لنا أفراح وأتراح هذا المثقف الجديد، هذا المثقف الذي يجمع بين الأصالة والحداثة، إنه المثقف النهضوي الذي يعتبره الأديب سندبادَ جديدا ولكن الفرق بين سندباد ألف ليلة وليلة وسندباد الخضراء، أن سندباد ألف ليلة وليلة، وإن تعب وخاف فإنه عاد إلى بغداد، ولكن سندباد الخضراء تاه وتعب وضيع خرائطه كما يقول خميري “أنا سندباد جديد ضيعت خرائطي .. وهدّني الترحال..“ (ص 103) فسندباد الخضراء فقد الحبيبة التي تزوجت “وتزوجت العفراء” (ص 108) وبقي وحيدا شريدا ” وأنا وحدي شريد، قد طوحت بي رمال الصحراء. أصارع الكثبان فتصرعني..“ (ص 108) إنها أزمة المثقف التونسي الشاب الذي يبحث له عن موقع لم يجده في بلده ولم يحصل عليه في المهجر ولا حتى بين أصحابه المهجرين فإذا به يعيش مأساته في غربة مزدوجة أشد من غربة التوحيدي، ولعل هذه السمة المميزة للمثقف التونسي منذ بيرم التونسي تحيلنا إلى خيبة المثقف التونسي في بلاده والبحث عن موقع له في المهجر. ولعل خير دليل هو ما حققه الشيخ محمد الخضر حسين (1293هـ/1876 م ـ 1377 هـ/1958 م) الذي هاجر من تونس ووصل مصر بعد رحلة طويلة استطاع بعدها أن يصبح شيخ الأزهر الشريف ولعله يكون أوفر المهجرين حظا لأننا لا يمكن أن نثبت لغيره من إخوانه، عدا صمودهم وثباتهم على مبادئهم، نجاحا يذكر. فهذا خير الدين تتآمر عليه السياسية والعمالة فيقال ويطرد من تونس رغم أنه عمل على نهضتها وعزها وهذا الشيخ الثعالبي يطرد لأنه رام تحريرها ولكن نفسه الأبية تأبى عليه إلا المشاركة في نشاطه التحرري فنجده يساهم في معركة تحرير القدس ويقف إلى جانب الشيخ الحسيني ويدعو علماء المسلمين ليقوموا بدور الشهادة في حماية بيضة الإسلام وغيرهم كثير… في رواية “الخضراء” ننتقل مع خميري إلى الحديث عن جيل جديد من الناشطين والمنفيين التونسيين لنجده يصور لنا مثقف الصحوة الإسلامية المعاصرة والذي لفظته تونس رغم أنه رام تخليصها من ظلم سلطة متحكمة وغاشمة.

 

2 ـ بين باريس ولندن

 

باريس هي الوجهة التقليدية للاّجئ السياسي التونسي وأما لندن فهي إضافة نوعية من خميري إلى التجربة السياسية التونسية أضفت بعدا جديدا لم يتم التعرض له سابقا في أدب المهجر التونسي. وهو يقدّم لنا بطلين أحدهما أسير عبد الجواد الذي تبع الطريق التقليدي للهجرة، فسافر إلى باريس والآخر وهو يوسف صديق قادته الأقدار إلى لندن ليدشن لنا تجربة جديدة لها سماتها الخاصة.

ارتبطت إقامة أسير عبد الجواد بباريس في سنواته الأولى بالفقر والجوع “كانت السنوات الأولى من إقامتي بباريس، سنوات جوع وفقر وصعلكة” (ص 104) ومما زاد الطين بلة دور الحكومة اليمينية في تعطيل ملف اللاجئين التونسيين “فالحكومة الفرنسية بزعامة اليمين رفضت تسوية ملفّاتنا..“ (ص 104) ولهذا فإن أسيرا، الفقير واليائس لم ير في باريس إلا صورة قاتمة “وباريس وجعي.. وباريس قرحتي الدامية..“ (ص 102) لم ير فيها إلا البرد والصقيع والأوراق المتساقطة “باريس باردة.. يلسعها الصقيع.. تتعرى أشجارها.. الأوراق متساقطة.. (ص 107) وباريس عنده أيضا “وحش لا يعترف بالضعفاء” (ص257) وهي صورة جديدة عن باريس ينقلها لنا خميري ولا نجد لها صدى عند المثقف التونسي فيما قبل لأن باريس كانت منذ أيام خير الدين مدينة للأنوار والحداثة. فخير الدين استطاع بعد زياراته لها اكتشاف مفهوم “الاقتباس” لكل ما هو إيجابي، كما كان لباريس تأثير مهم على رواد النهضة العربية الذين سعَوا منذ رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده إلى النهل من الجانب العلمي للحضارة الغربية التي كانت باريس حاضرته. ولكن أسيرا على عكس ذلك لم ير فيها هذا الجانب فلا نجد في الرواية حديثا عن اللُّوفر ولا عن برج إيفيل قبلة الزائرين إلى باريس وحتى لحظات إعجابه بباريس تظل باهتة ومحتشمة فهو يصفها بأنها مدينة حية ولا تنام “ولكن حركة الناس لا تنقطع لا ليلا ولا نهارا.. تلك هي قوة باريس.. إنها لا تستسلم..“ (ص 107) هذا الجانب الإيجابي الوحيد هو الذي لفت انتباهه فجعله صفة إيجابية لباريس، ولعلّه فعل ذلك لأنه فقد هذه الحياة في بلده الذي لا يزال يحبه ولا ينساه “ما كانت باريس لتنسيَني حرير تلك الأرض التي غرست وجودي زيتونا ونخيلا وماءً زلالا يمتد عميقا في جذوري” (ص 113) ولكنها تفتقد الحركة والنشاط بسبب موت الحياة السياسية فيها.

إن هذا التحول في موقف المثقف من باريس قد يعود في جوهره إلى التحول العام الذي شهده المثقف العربي في العشريَّات الأخيرة تجاه الغرب حيث خفتت سنوات الإعجاب والذوبان المطلق في النموذج الغربي، الذي أصبح هو نفسه ينتقد تجربته في خطاب ما بعد الحداثة، وأسير والكاتب كلاهما ليسا ببعيدين عن هذا الخطاب النقدي السائد في باريس ذاتها.

وفي حين كانت باريس بالشكل الذي وصفناه فإن لنــدن مثلت تحولا جديدا في تاريخ السياسي واللاجئ التونسي فمحنة التسعينيّات جعلت من لندن مركزا جديدا للتجربة التونسية، وكانت لندن إضافة نوعية في تاريخ السياسي التونسي تفطن إليها الأديب الخميري برهافة حسه ودقة وصفه فقادنا معه إلى هناك، إلى عاصمة الضباب، إلى لندن التي لم تكن منذ البدء وجهة للاجئِ التونسي الذي يرمز إليه الكاتب بيوسف قاسم، ولكنّ الأقدار قادته إلى هناك فتحولت لندن إلى مدينة مركزية في العقل السياسي التونسي وتجاوز إشعاعها وحضورها سائر العواصم الأوروبية خاصة بعد استقرار الشيخ راشد الغنوشي بها، وبقيت العواصم الأوربية الأخرى كبرلين وفرانكفورت وجينيف وروما وغيرها في منطقة الظل، غير ذات فعل يذكر في المشهد السياسي للاجئ والمهجر التونسي وكذلك في الفعل السياسي التونسي إجمالا. فألمانيا مثلا التي آوت صالح بن يوسف في الخمسينيّات وحتى اغتياله، ورغم أنها ظلت دائما الموطن الآمن للسياسي التونسي لكن لم يكن لها دور مباشر في الحياة السياسية التونسية وهي لا تزال كذلك إلى اليوم لأن رموز المعارضة الأساسييّن موزعون بين باريس ولندن ولأن التعاون التونسي الألماني لم يرتق إلى الدرجة التي تجعل من السياسي الألماني يضع الإشكال التونسي في أولوية اهتماماته في أجندته السياسية. كما أن جينيف لا تختلف كثيرا عن ألمانيا من حيث حضورها الفاعل في التجربة السياسية للاجئ التونسي.

ونظرا لجدة لندن في حضورها السياسي فإن الكاتب وصفها وصفا محايدا بحيث إن يوسف قاسم لم يتجاوز نشاطه في لندن المجال الحقوقي ولم نجد تقييما للندن كما كان الحال في باريس وإنما كان الحديث عنها فقط باعتبارها موطنا “للقرار السياسي” الإسلامي التونسي نظرا لوجود الشيخ الغنوشي. ولكن الكاتب التفت بدقة إلى هذا البعد الجديد في التجربة السياسية التونسية والذي فتح به بابا جديدا يحتاج إلى دراسة ونظر، ويؤكد من ناحية قدرة المغترب التونسي على التأقلم والتفاعل الإيجابي في بيئته الجديدة، كما يؤكّد من ناحية أخرى على عمق الأزمة السياسية وانسداد الآفاق في تونس حتى أصبحت باريس، المقر التقليدي، لا تتسع للعدد الهائل من المثقفين التونسيين الفارين من جحيم بلادهم وهو ما يؤذن بمستقبل مجهول لهذه البلاد قد يؤدّي أيضا إلى وجود عواصم أخرى تضاف إلى لندن وباريس تستقبل هذا المهاجر الذي لفظته بلاده ولعل روما -أو إيطاليا إجمالا- مرشحة لتكون قبلة جديدة لآلاف الشباب الفار من تونس في قوارب الموت بحثا عن جنة موعودة ولكنها هلامية.

ولهذا فإنني في هذا المستوى لا أملك إلا أن أبدي إعجابي بقدرة الأديب خميري على لفت نظرنا إلى عمق هذه الأزمة التي انفجرت وتؤذن بتواصلها في المستقبل لا قدّر الله.

 

3 ـ إشكاليات الإنسان والزمان

 

لا نطمح في هذه القراءة إلى عرض بحث فلسفي لقضايا الزمان في رواية خميري ولكننا نقصد بالحديث عن إشكالية الزمان والإنسان تلك الانفعالات التي يعيشها المهاجر التونسي في حاضره وواقعه، في طموحه وحلمه، في أمله ويأسه إلخ.. هذا الواقع الذي يميزه تفاعل هذا المهاجر مع إخوانه ومع التنظيم الذي ينتمي إليه ومع الفضاء السياسي الذي يتحرّك داخله.

وتبدأ أزمة هذا المثقف مع التنظيم، الذي أخذ الحديث عنه حيزا مهما في الرواية، سنعود إلى تقييمه في عنصر لاحق من هذه الورقات، ونجد أنّ موقف أسير عبد الجواد، ابن التنظيم، يتسم بالثورة ضد تنظيمه الذي كان يجله، فهو يقول “أنا ثائر أحمق ومناضل مجنون يركب حمار الأمة المدبور .. الأمة التي باعت خيولها للمتهورين وتجار السياسة.. أنا أحمق حين سلّمت نفسي لقادة التنظيم” (ص 40) ويقول في موقع آخر “كنت في أيّامي الأولى كلّما التقيت بواحد من قادة الحزب، ظننته المسيح جاء ليخفف من جوعي وأوجاعي.. ولكن ليس كلّ ما يتمناه المرء يدركه.. وهنا فقط تكتشف أنّ كثيرا ممن كانوا يحملون راية التغيير، كان أولى بهم أن يغيروا قبل كلّ شيء ما بأنفسهم وأخلاقهم ومعاملاتهم…“ (ص 40) كما يقول أسير: “فقد كنت جنديا بسيطا يدفعونه إلى المعركة.. المعركة التي يشعلونها باسم نصرة الإسلام والانتصار للمقهورين” (ص257

وهو يتهم التنظيم بالمحاباة وتقديم المساعدة فقط لمن يوالونه ويتملقونه ” لكي تجد عملا، وتجني مالا، وتحصد قربا منهم، عليك بأن لا تنقد ولا تتكلّم ولا تفكّر.. بل قل دائما نعم.. وهذا خير.. وهذا عظيم.. وإنّ ما تصنعونه شرف ومفخرة لنا وللخضراء..“ (ص 45) ليصل إلى القول بأنه لا فرق بين التنظيم أي حركة النهضة في المهجر والحزب الحاكم “قل لي بربك ما الفرق بيننا وبين بطانة الزعيم؟ ما الفرق أن تكون منتميا للتنظيم أو منتميا للحزب الحاكم، إذا كنت تنصحني بكلّ هذا النفاق والتملّق؟ ألهذا تهجرنا وتعذّبنا وتركنا الأهل والأوطان؟ أَأََمام هذا العدد الهائل من الأصنام في بلادنا تريدنا أن نصنع أصناما جديدة؟” (ص45) وهو يعيب على النهضة أنها تنظيم لا يتجدد “والحزب صنم لم يتجدد ولم تتغير رموزه” (ص 103) على العكس فإن التصدع والانشقاقات تنهشه “انهيار يتبعه انهيار يشق الحزب..“ (ص 102) يضاف إلى هذه الحالة التي تعيشها الحركة حالة أسير نفسه، فهو الفقير المعدم، “قلبه المبتور لا يزال يخفق هناك بين الحقول والبساتين، هناك بيته وأسرته وأصحابه…“ (ص 39) إلى درجة أنه يعتبر نفسه منذ غادر بلده قد غادرها إلى الموت (ص 38) لأنه يعتبر أن هجرته تتواصل في فراغ (ص25). وفي هذا الخضم كره الحزب الذي ينتمي إليه، لأنه لم يعد يرى إلا الفراغ ولم يعد ينتظر إلا الفراغ ولذلك فهو يصل إلى نتيجة مزلزلة عندما يقول “فأغلقوا الدّكان يا جماعة التنظيم..“ (ص 106) ويدعو بالتالي إلى حل حركة النهضة ويعتبر أن ذلك مقدمة أساسية لإصدار عفو تشريعي عن المساجين “لعل الله يعجل بإطلاق الأحبة” (ص106)

ولا شك أن هذا الكلام لا يعدو أن يكون صرخة يائس لأن حل الحركة أو عدمه ليس هو المقدمة ولا هو الشرط الأساسي لحل إشكالية الحرية وبناء المجتمع المدني في تونس. فالإشكال في تونس أعمق من مثل هذه الخطوة التبسيطية فقضية الحرية في الخضراء لا يمكن بأي حال اختزالها فقط في صراع بين النظام والنهضة وإن كان هما العلامتين البارزتين في هذا الصراع وإنما هي أعمق من ذلك بكثير.

ثم يشير إلى فرض معركة الحريات ويتحسر على خسارتها بأسى مخلوط بالجلد الذاتي “آه الويل لمن سرّج الخيل طويلا ولم يركبها.. وبعد ذلك باعها مقيدة للجلاد..“ ليصل في حدة نقده للتنظيم إلى اعتبار “فرسان الحزب.. إنهم فرسان من ورق.. فرسان مزيفون يجلسون معا.. ويتحدّثون معا ويتاجرون معا.. ويشاهدون التلفاز معا..“ (ص 40) ويتحول الخطاب هنا إلى مباشراتية قاتلة قد لا يستطيع كل المهاجرين الإجماع عليها، ولكنها قد تعكس وضعية المهجرين في عقد التسعينيّات في باريس لأن هذا المشهد لم أره في غير هذه المدينة، إنه انقسام بين قيادة وقاعدة، سادة وسوقة، فرسان وجنود.. ولكنها تأوهات ابن التنظيم الذي أحب حزبه ولكنه فوجئ بالهزيمة التي لم يعرف لها سببا ولم يجد لها مبررا وعندما سأل وحاول التقصي اتهم وصد وأغلقت في وجهه الأبواب.

ومن اللاّفت للانتباه أن الكاتب قد حصر هذه الحالة النفسية على أسير عبد الجواد فيوسف صديقه لم يكن لديه نفس هذا الشعور الهائل بالهزيمة وإنما وجدناه مستقرا مسلّما أمره إلى الله. وهو ما دفعني إلى التساؤل هل أن ابن التنظيم كان أكثر إحساسا بالمحنة أو بالهزيمة؟

 

الحيرة واليأس والأمل

 

ويقود الإحساس بالهزيمة إلى حالة من اليأس نجد صداها عند أسير عبد الجواد الذي تصل به حالة اليأس إلى اعتبار المستقبل لن يأتي بجديد وإنّما سيعيد الهزيمة نفسها ” وقد لا نرى في المستقبل كتاكيت وفراخا !!! ” (ص 102) وهو ما أدّى إلى موت إحساسه بالزمن وتعاقبه ” وماتت في قلبي الفصول.. ومات الربيع” (ص103) ولكنه ينتبه فيعيد الحالة إلى نفسه ” أو ربما هو يأتي وأنا المتلحّف في سوادي لا أراه” (ص 103) إنه سندباد ضيع خرائطه ففقد طريق العودة. (ص 103) وأسير يعتبر نفسه طائرا أخضر ” توقف منذ زمن عن الشدو” (ص 101) لأنه يرى نفسه مشوّها “أنا واحد من هؤلاء المشوّهين” ص 223 وأنه دون كيشوط جديد (ص 39) أو هو “رجل نكرة يبحث عن أدوات تعريف” ص 259 ولكن هذا النكرة يبحث له عن موقع تحت الشمس لذلك نجده بعد أن سقط في حالة من العدمية، يعود ويصرخ وكأنه استفاق من غيبوبة قائلا “أريد أن أحيا بكل مرارة الواقع.. أريد أن أتصالح مع واقعي بكل مرارته وأوجاعه..“ (ص 267) وفكرة التصالح مسألة إيجابية في فكر أسير قد تخرجه عن ملحمية راسكولنيكوف، خاصة أن هذه الحياة يريدها أن تكون عن طريق الكتابة وبالتالي التأريخ “وحلقت من جديد مع الكتابة وأنا أعانق دفتري وأكتب..“ (ص 267)

وأعتقد أن وصف هذه الحيرة، بين اليأس والأمل، بين الخوف والرجاء مهمة وقد عايشها قطاع كبير من أبناء النهضة أنفسهم ولو لم يخرج أسير وبالتالي مؤلّف الرواية من حالة العدمية واليأس لفقدت هذه الصورة رونقها لأنها تصبح مصطنعة لا جمال فيها ولا أصالة.

 

الواقع الاجتماعي والسياسي التونسي من خلال الرواية

 

يقدّم لنا الكاتب عائلة يوسف قاسم كنموذج للعائلة التونسية التي نجحت السلطة في إحداث هزة عنيفة داخلها من خلال سياسة زرع الرعب. فالأعمام والأخوال هجروا عائلة يوسف قاسم (ص121) كما هجروا عائلة أسير عبد الجواد (ص 116)، خوفا أوجبنا أو إكراها وفي هذا المستوى نجحت السلطة في إحداث اختراق للأسرة التونسية وربطتها بالسلطة، لتكون مصدرا مزوّدا بالمعلومة أو محاصرا لعائلة الإسلامي الذي شابه حاله حال طرفة بن العبد الذي أبعدته القبيلة إبعاد البعير الأجرب، فيكفي وجود إسلامي واحد داخل أسرة لتسجّل تلك العائلة ضمن دائرة المغضوب عليهم فيحرمون من حقهم في العلاج والدراسة والوثائق الإدارية. وهذا الوضع دفع بالعديد من الأفراد داخل العائلة للتبرّؤِ من أبنائهم من أجل “استعادة” حق المواطنة، ويكون هذا التبرؤ إما بتزويد السلطة والجهاز الأمني بأنباء عن إسلامي العائلة في بعض الحالات، أو بالمشاركة في لجان الأحياء أو غيرها. إلاّ أن خميري يريد أن ينبهنا إلى شيء وهو وإن نجحت السلطة في اختراق الأسرة الكبيرة، الأعمام والأخوال إلا أنها لم تنجح في اختراق العائلة الصغرى، الأم والأخ والأخت… ولكنها، مع الأسف نجحت في تمزيقها فأرهقتها واستذلتها ودفعت بها إلى الأمراض والانهيارات العصبية والشيخوخة، فجدة يوسف لازمت غرفتها، ووالدته انهارت، وأخته سجنت والأخرى هاجرت مع زوجها وأخوه نصر الدين سجن، وأما يوسف نفسه فعذب وسجن وتشرد وهاجر وماتت زوجته وأصابه اليأس لولا تمسكه بحبل الله.

ولهذا يغدو تساؤل سلوى، زوجة يوسف، “هل نحن في جمهورية أم في غابة امتلأت وحوشا؟” (ص 73) تساؤلا مبررا يصف حالة موضوعية لم يصنعها المؤلف من خياله وإنما نجح فقط في نقلها إلى قارئه بأسلوب شيق، وكان من نتائج ذلك، كما قالت سكينة، أن “الشرطة السرية فرخت في كل مكان يا أخي.. ودولتنا دولة البوليس المقدس والظلم المقدّس.. فأحسن بطيخة للزعيم.. والصياد عندما يصطاد سمكة إذا خرجت صغيرة أخذها، وإذا خرجت كبيرة أرجعها إلى البحر، فهذه من نصيب صياد الزعيم.“ (ص 59).

فالمواطن التونسي بعد أن فقد حق المواطنة وضاقت به الدنيا يخرج من بلده ليعود إليها جثمانا في صندوق ، مثلما عادت جثمانات العديد من السياسيين التونسيين “وحطت الطائرة ونزل الجثمان..جثمان كمال وجثمان الكثير من أبناء الخضراء، ممن اقتحمهم السرطان وقادهم في غربتهم إلى الردى” (ص 261) وهنا يذكرنا الكاتب بالعديد ومنهم السياسي الإسلامي محمد بومعيزة الذي أصيب بالسرطان ورجع بعد أن توفي إلى بلده جثمانا. قد تكون هذه الصورة التي يريد أن يقدّمها لنا الكاتب عن هذا البلد الجميل الهادئ القابع على ضفاف المتوسط والذي تشع شمسه فتجلب إليه الملايين الذين يغبطونه على جماله. ولكن هل رأى المواطن التونسي شيئا من هذا الجمال؟

 

ث ـ نماذج من الصور الفنية والتعليق عليها

 

1 ـ اعتمد الكاتب أسلوب الفلاش ـ باك وذلك باعتماد الحاضر للحديث عن الماضي، فالكاتب بدأ عرض قصة أسير عبد الجواد من النهاية، أي من باريس بعد عشر سنوات، ليعود فيحدثنا عن يوم فراقه لتونس. يقول أسير عبد الجواد :“غادرت بلادي تحت وابل من الأمطار .. كأن السماء غاضبة لما حاق بهذه البلاد من ظلم، اكتوى الناس بناره، ولم يقدر الشعب أن يرفع رأسه من التراب.. ولم أدر وقتها أني أغادرهم إلى موتي..“ (ص 37) فيصور أسير عبد الجواد مغادرة البلاد وكأنها هجرة إلى الموت، ولذلك نجد أن السنابل تتفاعل حزنا مع هذا المهاجر في رحلة موت “ومن ذلك اليوم لم تعد السنابل كعادتها، قائمة شامخة منتصبة في كبرياء.. فقد جثم الخوف والجوع والقلق على البؤساء لسنوات طوال” (ص38) في مشهد أشبه بالرثاء تفاعل معه الليل الذي حزن لحزن البطل، “وظل الليل راكدا مثل ماء غدير متعفّن، ضرب الخز قاعه وحواشيه وولى صفاء مائه واستباح عذوبته ملح أجاج” (ص 82)

 

2 ـ نجد في الرواية لقاءيْن مهمين أحدهما لقاء يوسف بإسلام، حبيبة الشباب، والثاني لقاء البطلين أسير عبد الجواد ويوسف قاسم. فأما لقاء يوسف مع إسلام في لندن فإنه كان منتظرا وكانت أحداث القصة منذ البداية توحي بأنه سيحصل، فمنذ الصفحات الأولى للرواية شعرت أنهما سيلتقيان من جديد وذكرني هذا اللقاء بأفلام الحب الهندية التي تباعد بين الحبيبين ولكنها تأبى في النهاية إلا أن يلتقيا وينتصر حبهما.

وأما اللقاء الذي جمع بين أسير ويوسف فهو لقاء دقيق موضوعيا، ومحبوك روائيا وممكن واقعيا ولقد حدثت لقاءات شبيهة بهذا اللقاء، وكانت وفاة الأشعث ابن عمة إسلام، والذي سافر إلى باريس منذ الثمانينيّات كطالب نجيب لأنه الأول على دفعته (ص 303) الذي تعرّف عليه في معهد العالم العربي ثم التقيا مجدّدا في المستشفى حيث قضى الأشعث نحبه وترك وصية لأسير لكي يتصل بإسلام ويسلمها حقيبته بعد نقل جثمانه إلى تونس لنجد أن عدد الجثمانات التي نقلت إلى تونس يصبح قضية لافتة للانتباه في القصة وكأن الكاتب يريد أن يقول لنا إن التونسي، ومنذ دولة الاستقلال، إذا نفي فإنه لا يرجع إلى بلاده إلا جثمانا فهذا صالح بن يوسف أول وأهم المعارضين التونسيين لدولة ما بعد الاستقلال يعود جثمانا إلى بلده والقائمة تطول فهل أن الكاتب يريد أن يبلغنا هذه الصورة أم أنه يريد فقط الإشارة إلى عمق الأزمة التونسية؟

وفي كل الحالات فإن المشكل قائم لأن أولئك الذين عادوا إلى تونس وبحثوا عن خلاص فردي والذين كانت للبعض منهم مبررات موضوعية ككبر السن مثل الدكتور الفاضل أحمد المناعي أو بحثا عن خلاص فردي فإن عودتهم تعتبر موتا سياسيا لأنها لم تحقق طموح المنفى، ولم تستجب لما ينتظره المحاصر في الداخل، فغدا العود إلى البلاد موتا بمعنى من المعاني لأن العودة أصبحت في حد ذاتها مطلبا أساسيا يمكن أن يراهن بل يزايد عليه البعض، وهذا ما يحيلنا مجددا إلى عمق الأزمة في تونس التي غدت تغتال أبناءها.

 

3ـ بين البطلين: يوسف قاسم وأسير عبد الجواد

 

من الواضح أن الكاتب اختار أسماء أبطاله بعد تفكير طويل . فيوسف يرجعنا إلى يوسف الصديق عليه السلام في أحسن القصص1 ولذلك نجد تضمينا كثيرا لمعان ولأحداث من قصة يوسف عليه السلام ومقارنة بين يوسف عليه السلام ويوسف قاسم وأن الأخير يسير على خطى الأول. فيوسف إذا اختيار واع لربط البطل المركزي بيوسف بن يعقوب الذي عذب من إخوته ثم ألقي في الجبّ ثم هاجر إلى مصر حيث سجن ولكنه فاز في الأخير على المحن، وأما يوسف قاسم فقد سجن في بلده وعذب من أبناء وطنه، فهل هؤلاء هم إخوانه؟ ثم هجّر ودخل السجن وصبر وصابر ثم استقر به المقام في لندن حيث أحس بالأمن والأمان وسار بذلك على خطى يوسف الصديق عليه السلام. فهل أن الكاتب يريد أن يدافع عن نظرية استيطان الدعوة بالمهجر؟ لا أعتقد ذلك لأن الكاتب انتقد في مواقع أخرى من كتاباته تفكير بعض الإسلاميين في الاستقرار في الغرب!

وأما أسير عبد الجواد، فهو اسم محير، شغلني كثيرا! وحاولت أن أفهم لماذا هذا الاسم؟ وما هي الحكمة من اختياره؟ إنه أسير ولكنه لم يدخل السجن؟

ألأنه دخل التنظيم؟ وهل الانتماء أسر أم التزام؟ مسؤولية أم خذلان؟

ثم إن سؤال الهوية يتكرر كثيرا عند أسير في حين لا نلاحظ ذلك عند يوسف، فاليأس تملّك من أسير حتى صار يقول” إنني رجل نكرة يبحث عن أدوات تعريف” ص 259

ولكن رغم هذه الأسئلة التي أثارها هذا الاسم فإنّي وجدت متعة في تتبع مأساة أسير الملحمية لأنها ذكرتني براسكولنيكوف في رواية “الجريمة والعقاب” لدوستيفسكي .

راسكولنيكوف هو بطل رواية “الجريمة والعقاب” التي تدور أحداثها في أزقة بترسبورغ القذرة وبيوتها الضيقة ووسط معاناة سكانها، فالبيوت التي يعيش فيها أبطال الرواية مثل راسكولنيكوف وصوفيا ضيقة، مكتظة، معتمة تقع في أحياء مزدحمة بالسكان عندما تجاورهم تلمس التنافر والتباعد ولا تجد عندهم روح التقارب، تجد الإنسان يحس بالوحدة بين الآخرين، هذه العوامل دفعت بل شجعت راسكولنيكوف على قتل المرابية. راسكولينكوف كان يسكن في غرفة ضيقة ولا يملك النقود لتسديد إيجار غرفته. فقتل المرابية ولكنه بعد قتلها أصبح يحاول العودة إلى المجتمع. هذه صورة مختصرة عن “الجريمة والعقاب” استحضرتها وأنا أقرأ “الخضراء” خاصة عند تتبع مشاهد المأساة والغربة التي كان يحس بها أسير عبد الجواد والتي استطاع الخميري أن ينقلها بشكل مبدع ورائع فهو يصفها بأنها موجعة ورهيبة “الغربة عن الديار ومرابع الصبا موجعة ورهيبة..“ (ص102) والغربة تمزق العلاقات وتهدد الحب فالخميري يصف لنا تأوّهات امرأة في شوارع باريس “امرأة مترنحة سكرانة تسب وتشتم، تغني، تبكي، تصرخ، ثم تعود للغناء، ويخرج الكلام متقطعا، ساخطا، متعثرا: ابني تركني، زوجي طلقني، ابنتي تزوجت فرنسيا، أنا وحيدة.. أريد أن أعود إلى المغرب.. أعود لأموت هناك فلم أجن من الغربة إلا الجراح والمآسي” (ص44) مآس قد تكون في قسوتها أعتى مما عرضه دوستُيفسكي في شوارع بترسبورغ لأن الكاتب جمع لنا باختصار شديد أهم المشاكل التي يعيشها المهاجر في مدينة ضخمة، صاخبة، حية مثل باريس : علاقات زوجية مهددة بل ومدمرة، أبناء متمردون تائهون يعيشون بين هويتين متصارعتين بسبب جهل أو تهميش من الدولة أو من الجمعيات المهاجرة التي لم تستطع أن تحيط بهم، خيانات زوجية، بطالة وعَطَل… وهكذا يجد المهاجر نفسه وحيدا داخل الكثرة، صامتا بين الأصوات العالية الصاخبة ليفقده المنفى اللذة الاحتفالية حتى يوم العيد فتستوي عنده الأيام وهاإننا نجد أسيرا يقارن يوم العيد بين الأكلات التي يأكلها الآن وبين التي كانت تقدمها له جدته “آه كم هي لذيذة أكلاتك يا جدتي.. العيد مبتور في المنفى” (ص117) وهو وصف دقيق لطبيعة العيد التي يجد المهاجر نفسه فيها بعيدا وحيدا يفتقد إلى دفء العائلة وحنان الأم وشفقة الأب.

معاناة راسكولنيكوف تعود إلى قتله المرابية ثم انفصاله عن المجتمع وغربته فيه ومحاولته العودة إليه. وأما أسير عبد الجواد فمعاناته ليست لأنه مجرم، إذ هو لم يقتل أحدا وإنما تعود إلى سببين أساسيين وهما:

أولا أنه اجتث من جذوره، من وطنه، وهو الطالب الناجح الذي لا يزال في عمر الأمل والطموح ليجد نفسه في المنفى، رفيقه الفقر والتهميش في مدينة ضخمة باريس، وهي حتما أكبر من مدينة سان بترسبورغ في القرن التاسع عشر حيث دارت أحداث قصة الجريمة والعقاب، ولكن أسيرا لم ير في باريس إلا جانبها البائس الحزين القاسي. فحتى شارع الشان شاليزي لم يكن يعجبه.

ثانيا أحس بالغربة داخل التنظيم الذي قدم له مخلصا أحسن طاقاته وخير أيامه ولكنه لما أراد أن يناقش وطالب بالتقييم ركله التنظيم وتخلى عنه وعده من المشاغبين، حتى استوى عنده في صورة ملحمية التنظيمُ والسلطةُ. فلم تختلف عنده سلطة التنظيم وسلطة الحزب الواحد في تونس ليحيلنا إلى نظرية أن الأحزاب العربية، إسلامية أو غيرها، هي اجترار لتجربة الأحادية السياسية في بلادها وهي نظرية خطيرة إن كان الكاتب يدافع عنها. كما تحيلنا إلى نظرية “سلطة الخطاب ” أو نظام الخطاب وسيطرته التي تناولها الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو والذي كان لها حضور بارز لدى الطلبة التونسيين، ليس فقط في قسم الفلسفة وإنما أيضا في الأقسام الأخرى وخاصة لدى الطلبة الإسلاميين.

وهنا نجد أن إمكان العودة إلى المجتمع لدى راسكولنيكوف أيسر منها لدى أسير عبد الجواد، لأن عودة راسكولنيكوف، هي عودة إلى الطبيعي إلى الأصل في الأشياء أو إلى العقد الاجتماعي، ولكن إلى أين يعود أسير عبد الجواد وهو الذي أجبر على مغادرة بلده، وأصبح مطاردا كالمجرم، حيث لا جريمة.

أيعود إلى التنظيم؟

حيث أقصي بلا سبب!

إننا نجده تائها في شوارع باريس يتمنى أن يأكل رغيفا ساخنا أو وجبة دسمة ولكنه لا يملك المال الكافي لشرائها.

 

4 ـ أثارت شخصية سليم المعتوه انتباهي. لماذا أورده الكاتب؟ وما الذي يريد أن يقوله من خلال هذه الشخصية؟ إن دورها ثانوي ولكنه مهم! لقد كانت خاتمة سبعة فصول من مجموع ثلاثة عشر فصلا للرواية! هذا التكرار لفت انتباهي لهذه الشخصية.

فلماذا الاستشهاد بهذا المعتوه؟

هل لأن الحياة السياسية التونسية انعدمت لدرجة أن السعيد هو المعتوه وبالتالي فإن الموازين تغيرت في هذا البلد الجميل والرائع بعد تغيير السابع من نوفمبر الذي وعد بأنه لا ظلم بعد اليوم فإذا بتونس تشهد ظلما لم تره قبل؟! وبالتالي يصبح النفيُ هو الأصلَ والحقيقةُ هي الوهمَ والظلمُ هو العدلَ ، والنفيُ هو الحوارَ وبالتالي الجنونُ هو العقلَ؟؟

إنها مأساة بلد!! فهل أن سليما المعتوه هو نيتشه تونس الذي يحمل معوله ليهدم صرح الوهم الذي يعيشه هذا الشعب فيغدو سليمٌ العاقلُ الوحيدَ الذي رأى ما لم ير غيره؟ هل أنه لكي تعيش سعيدا في تونس يجب أن تكون معتوها؟

هل أن التداخل بين الحقيقة والوهم في هذا البلد تعقّد حتى صار التمييز بينهما مستحيلا؟

أسئلة أتركها معلقة لأن الإجابة عليها تتطلّب تأويلا قد يخرجني عما قصد إليه المؤلف ولكني أكتفي بالقول بأن هذه الشخصية مثيرة.

 

ج ـ ملاحظات نقديـــة

 

ـ أبطال الكتاب طلبة ومثقفون وافتقد الحديث عن أولئك الذين لا ينتمون إلى هذا الصنف فقد تعرضوا هم أيضا للمحنة نفسها أو أكثر. فلم نجد الكاتب يتحدّث عن الأب الذي سجن أو تشرد وترك أطفالا قد يصل عددهم في بعض الحالات إلى خمس أو ست دون عائل.

ـ نعت التنظيم أو النهضة في المهجر بكل النعوت السلبية ووصف قياداتها بكل ما هو سلبي ولا أخلاقي ولا إسلامي لم نر له ضرورة ومَثَّل هنة من هنات النص الروائي لأنه لم يكن له حقيقة تسنده. فالنهضة لم تشهد مثلا عمليات انشقاق كما يؤكد الكاتب على لسان أسير بقوله “انهيار يتبعه انهيار يشق الحزب..“ (ص 102) فهذا لم يحدث تاريخيا وإنما هناك حالات من الاستقالة والانسحاب التي لا يمكن وصفها بالانشقاقات، فبدا الموقف العام من التنظيم متسرّعا ولم يخضع إلى الدقة النقدية والنزاهة الكافية. كما أنه لا وجود لمبرر حقيقي للنقمة على التنظيم، “وفي كل يوم تزداد نقمتي على التنظيم وقادته..“(ص 260) وهكذا كان يمكن للكاتب أن يكون ناقدا وينتج نصا رائعا يقبله القارئ ولكن أن تشخص بعض المشاكل والمواقف مما يوحي للقارئ أن الكاتب يحاول تصفية حساب مع التنظيم الذي كان ينتمي إليه، فنحن وجدنا أسيرا غاضبا ساخطا ومهزوما، كما وجدنا الأشعث ناقما متمردا يعلن أن ما حدث هو مما جناه عليه التنظيم، فيذكرنا بيأس أبي العلاء المعري الذي رفض الزواج لكي لا ينجب الأبناء. فهل يدعو الكاتب إلى أن يَهْجر أبناء الصحوة أحزابهم والدخول في عدمية سياسية أو فوضوية هيكلية؟!

وهكذا يجعلنا سياق الرواية نجزم أن الكاتب غاضب وساخط على النهضة المهجرية ولكنه لا يمتلك موقفا نقديا واضحا وهو ما نتمنّى أن يتجاوزه في نصوصه الروائية القادمة التي نأمل أن تكون بوابة جديدة لأدب المهجر.

ـ نهاية الرواية فيها شيء من الضغط والاصطناع لأن الكاتب أراد أن يخرجنا من حالة اليأس إلى الأمل فتسارعت الأحداث وتسارع الزمن واختصرت الجمل وبالتالي ضغطت اللغة فحصل القفز والسرعة والاصطناع وكان يمكن للكاتب أن يترك قصته مفتوحة على آفاق أرحب لأن إشكالية الحرية في بلده لم تحل بعد وبالتالي فالسؤال الذي أثاره لا يزال حيا وهو يجب أن يظل حيا ليبقى سؤال الحرية حيا.

 

الخـــاتمة

 

بعد أن قرأت الرواية طرحت السؤال التالي: هل كانت شخصيات الرواية دمى متحركة يعبث بها الكاتب كما شاء؟

من الواضح أن شخصيات الرواية شخصيات حقيقية ولم يصنعها الكاتب وإن كان حبك طريقة تصرفها ونقلها إلى قرائه من وجهة نظر حاول أن يجعلها واقعية وأمينة لأني أعتقد أنه كان يطمح أن يبلّغ من خلالها كثيرا من المواقف والآراء السياسية تجاه التنظيم والسلطة والواقع الثقافي وحياة اللاجئ وآلام المهجر والغربة. كما أنّ الرواية نقلت لنا صورة حية عن عبد الحفيظ خميري الذي لم أكن أعرفه شخصيا قبل مطالعة الكتاب، ولكني احترمته وازددت به إعجابا بعد ما قرأت الرواية. فهو يحدّثني عن نفسه وعن نفسي وعن كثير ممن شاركونا الطريق وعاشوا عذابات الغربة.

كما أنّي تفاعلت كثيرا مع البطلين: يوسف قاسم وأسير عبد الجواد وأحببتهما وأشفقت عليهما، خاصة على أسير عبد الجواد، لأني وجدت أنهما بشكل أو بآخر يتحدثان عني ومعي بلغة فهمتها وعقلتها، فوجدتني في لحظات صفائي أقرب إلى يوسف، وفي لحظات أزمتي ومحنتي وحيرتي أقرب إلى أسير

عبد الجواد.

إن رواية “الخضراء والسنوات العجاف” وهي باكورة أعمال المؤلف ولئن تحدّثت عن السنوات العجاف في بلد رائع وجميل فإنها لفتت انتباهنا إلى أنها سنوات، لا يمكن أن تتحوّل إلى أزل لأن شمس الحرية ستشرق ذات يوم على هذه القطعة من الأرض كما أشرقت على مصر، أيام يوسف عليه السلام، بعد سنوات عجاف لكي يغاث الناس ويعصروا.

 

إلى زوجـتـي.. كلمات من زمن الرحيل..

إلى زوجـتـي..

 كلمات من زمن الرحيل..

عبد الحفيظ خميري

 

زوجتى لن أوفيك حقك حتى ولو أفنيت كل العمر في شكرك وفي الحديث عن وفائك وبقائك على العهد.. تحملت فقري ونحن في بداية الطريق.. وتحملت غربتي.. وتحملت جنوني وأنا أمتطي صهوة جواد الكتابة..

ما حياتي بعيدا عنك ؟..

ما لونها ؟..

ما قيمتها ؟..

ما طعمها ؟..

كنت أيتها الغالية أتحرك في كل حدب وصوب.. لكي ترى روايتي النور.. لكي أقول لك أيتها الرائعة إن صبرك على جنوني وحده من ساعدني على الكتابة.. صبرك هو من علمني التحدي وعلمني الصمود..

أيتها الرائعة لو قبّلت تراب الأرض بين قدميك كل يوم ما وفيتك حقك.. زوجة وأمّا ورفيقة درب في أدغال غربتي.. رغم جنوني ورحيلي وخيالي وأنا أركض في أحراش جرحي كنت بعيني.. وحين أهديتك روايتي فلكي أقول لك بكل اللغات:

ـ كم أحبك.. كم أحترمك.. كم أكبر فيك الصبر على بعدي وأنا قريب منك وأنا مسكون بغواية الكتابة.. 

صدقيني أيتها الزوجة الحنون.. كلما خلوت إلى نفسي.. كلما سافرت أو ابتعدت لا تستروح نفسي راحتها إلا في الرحيل إليك..

كلما رحلت بعيدا عنك أكتشف في الحقيقة أنني أرحل إليك..

قد تسكنني ديار العروبة وأنا في باريس ولكن عندما أسافر إلى مصر أو سوريا أو اليمن أجدني أرحل إليك.. فقد صرت لي وطنا بعد أن تركت الوطن مكرها..

 

نهضتي ونهضتهم

نهضتي ونهضتهم

 

عبد الحفيظ خميري

نهضتي ولودْ

ومتاهة شاعر

وعنقود ودموعْ

تركب جواد الحريهْ

ولا تعرف الحدودْ

تصدح مع البلابلْ

وتعبق كأزهار زكيهْ

 

***

نهضتهم عقيمْ

تركب منذ زمانْ

جحشا سقيمْ

تسير مُعصّبة العينين

في ليل اللئامْ

في زمن مريبْ

يفترس الضحيهْ

تلو الضحيهْ

باسم التصدي للإرهاب

وجحافل الظلاميهْ

 

***

نهضتي حوريهْ

و إبداع وجرح وقضيهْ..

وقصيدة شاعر في ديوانْ

حبلى بألف شظيهْ..

نهضتي قصة جريحهْ..

وألف سؤال

عن دروب الحرية..

نهضتي دفتر وأقلام وهوية

ودروب عشق عصيهْ

وصوت على الملإ..

يصدح.. أنا هنا..

صوت الإنسانيهْ..

لو بقيت وحدي..

يكفيني شموخا..

أنني مت واقفا..

ولم أبايع بني أمية..

وتركت وصيهْ

ثُرْ على الشيخ والزعيمْ

وغنّي لعشاق الحريّهْ

***

نهضتهم جارية مسبية

ومجالس رقّ

ورقعة مطوية

مكتوب عليها

لقد ماتت القضية..

وباتت شركة مخفية سرّية

وجلاد على رؤوس العباد

من لم يبايع الشّيخ..

فهو ضرير..

فليلبس نظارة طبية..

 

***

نهضتي أرجوحة أطفالْ

وفرحة عروس..

وبسامات أم تقيّهْ..

نهضتي احْنَيّنَهْ..

تحمل حلم اللّيالي..

ليرى شموس الحريّهْ..

وتراها السهولْ

وتراها الهضابْ

ويراها الزوّالي..

ولد أبلادي..

وتراها عيون أمي..

 

 

 

 

تعليم اللغة العربية في الغرب: الأسباب والمناهج والصعوبات

) فرنسا نموذجا)

إعداد عبد الحفيظ الخميري

 

يذهب بعض الباحثين إلى أن تدريس اللغة العربية ليس جديداً في الغرب حيث تعود بداياته إلى أيام المسلمين في الأندلس الّتي كانت تزخر بعلوم رائدة كالفلسفة والفيزياء والرياضيات والموسيقى، فَاسْتَقْدَمَتْ فرنسا من قرطبة وغيرها، معلمين يدرّسونها في دارها إلى جانب اللّغة العربيّة الّتي كانت لسان الثّقافة يومئذ.

يبدو أنّ أول من دعا إلى تعلم العربية في فرنسا هو الملك فرنسوا الأول في القرن السادس عشر. ثمّ استمرّ المستشرقون يدرُسُونَها على غرار شارل بلا ومن إليْهِ، مِمّن أكبّوا على كتاب كليلة ودمنة ورسائل الجاحظ وقصص ألف ليلة وليلة. فإذا استقرّ المهاجرون العرب في الغرب وأخذ دينهم وتراثهم ينموان وينتشران بعد جيليْن أو ثلاث، أخذت مدارس اللغة العربية تُؤَسّس حتّى بلغت عدداً لا بأس به. وبدأ العالم الغربي يهتم بالحضارة العربية الإسلامية ليس من باب الفضول فحسب بل لأنّها باتت مكونا من مكوّنات شّخصية الملايين من مواطنيه. ورغم التعامل الحذر الذي تبديه المؤسسات الرسمية الغربية تجاه العربية، لا سيّما بعد أحداث 11 سبتمبر، استمرّت اللغة تشق طريقها في هذه المجتمعات مُذلّلة الصعوبات والعراقيل.

وجدير بالذّكر أنّ تدريس هذه اللّغة انتشر في الولايات المتحدة وأوروبا والصين واستراليا وغيرها على السّواءِ. فالعربيّة شهدت في السنوات الأخيرة اهتماما عجيبا بها في أمريكا، وهذا يحيى عبد المبدي محمد يقول: “شهدت السنوات الأخيرة آلاف المقالات والتغطيات الإعلامية التي تتناول شؤون العرب المقيمين في الولايات المتحدة ـ رغم ما فيها من جوانب سلبية ـ وقد سلطت الضوء بقوة على الجالية وأشعرت أفرادها بحقيقة وجودهم وألهمتهم معنى تمثيلهم كيانا وجزء مهما من مكونات وأطياف المجتمع الأميركي. واللغة العربية أتاحت المزيد من فرص العمل لأبناء الجالية العربية في أمريكا وبات الإعلان عن وجدود وظيفة لمن يتقن العربية في مؤسسات تعليمية أو أمنية أو عسكرية أو استخباراتية أو إعلامية أمرا شبه يومي في مواقع التوظيف الإلكترونية أو الجرائد. ويكفي أن تضغط في طابعة حاسوبك على حروف كلمة اللغة العربية أو العرب لتجد عشرات من إعلانات التوظيف يوميا. ومن جهة أخرى تزايد إقبال الأمريكيين على  الثقافة العربية إذ تضاعف عدد طلاب لغة الضاد في جامعة جورج واشنطن في السنوات الأخيرة من بضعة عشرات إلى ما يقرب من ثلاث مائة طالب… وينطبق الشيء نفسه على كافة أقسام العلوم الإسلامية في الجامعات الأميركية. كما تشهد المؤسسات التعليمية ظاهرة جديدة تؤكّد هذه الحاجة وهي رصد بعض المؤسسات الحكومية والخاصة لميزانيات ضخمة بغرض تقديم منح سنوية وتنظيم برامج مكثّفة في اللّغة العربيّة لمجموعة من الطّلاّب منتقاة كبرنامج فلاغ شب  وغيرهما.CAPA وكبا Flagship

أما فرنسا فلم يعد هذا التّعليم مقتصرا فيها على بعض المؤسسات الرسمية القليلة مثل معهد الدراسات الشرقية الذي أُسس في البداية لتعليم اللغات العربية والفارسية والتركية فحسب ( بينما هو يدرس اليوم قرابة المائتي لغة شرقية ) ولا على أقسام اللغة العربية في بعض الجامعات العريقة ككليات جامعة باريس ( السربون ) للعلوم الإنسانية أو باريس ثمانية أو ليل أوأكس بروفانس ولا على َمعهد العالم العربي والمدارس الخاصّة التابعة لسفارات بلدانها على التراب الفرنسي، بل لقد انتشرت المعاهد المستقلّة والجمعيات والمساجد انتشارا عجيبا إيفاء بهذا الغرض لشدّة طلب الأجيال العربية المسلمة المولودة في الغرب لهذا التّعليم. بل تعدّى الأمر إلى الغربيين  أنفسهم بدليل أنّ اللغة العربية تعتبَر ثانيَ لغة متحدّث بها في باريس وضواحيها.

هذا الإقبال عليْها جعل منها ظاهرة تُدْرَس في المجتمعات الغربية سواء عبر الإعلام أو مراكز البحوث والدراسات أو الجامعات، وكم من عمل جامعيّ أنجز في هذا الشأن.

لكنّ تعليم اللّغة العربيّة، رغم أنّه لم يعد غريبا في المجتمعات الغربية، إلا أن الكثير ما زال ينكر أهميته وما قدمته هذه اللغة للإنسانية فَيتجاهل جمالياتها ويصرّ على أن يقرنها بالإرهاب والتطرف. غير أن هناك مفكرين وعلماء غربيين ـ مهما كانوا قليلين ـ أنصفوا العربية فقال   Hitti,P.Kعنها

” أشهد من خبرتي الذاتية، أنه ليس ثمَّة من بين اللغات التي أعرفها ـ وهي تسع لغات ـ  لغة تكاد تقترب من العربية سواء في طاقتها البيانية أم في قدرتها على أن تخترق مستويات الفهم والإدراك، وأن تنفُذَ وبشكل مباشر إلى المشاعر والأحاسيس، تاركة أعمق الأثر فيها، وفي هذا الصدد فليس للعربية أن تقارن إلا بالموسيقا “[1].

الاهتمام ذاتُه جعل المخرج الفرنسي ميشال أوسلو يخصص لها مساحة كبيرة في فيلمه “آزور وأسمر” حيث إن نصف المشاهد معبَّر عنها باللغة العربية الخالية من التّرجمة وكأنّ المؤلّف بطريقة غير مباشرة يدعو الفرنسيين إلى فهم هذه اللغة وتعلّمها. فمن لم يتعلم لغة قوم لم يعرفْ شيئا عن حضارتهم وإسهاماتهم في إثراء الحضارة الإنسانية.

وتسعى مجلة ” اللسان الحر” من خلال هذا التحقيق إلى دراسة ظاهرة تدريس اللّغة العربيّة: أسبابها والْمناهج المعتمدة في ذلك ثم ما هي الصعوبات التي تواجهها وكيف تتفاعل معها الأوساط الفرنسية الرسمية منها والخاصة ؟ وَمن خلال هذه الأجوبة، نحاول أن نستقرئ مستقبلها في الغرب. وسنعمل في الجزء الثاني من التحقيق الذي سينشر في العدد الثاني من المجلة، على تقديم جملة من المؤسسات التعليمية الناشطة على التراب الفرنسي والتي خاضت تجارب ناجحة ـ نسبيا ـ في هذا المجال.

وللإجابة عن هذه الأسئلة، اِسْتَفْسَرْنا أهل الاختصاص من أساتذة وأصحاب مناهج كما زرنا مجموعة من المؤسسات والمعاهد والجمعيات المهتمّة بهذا الشّأن إذ تَحرص المجلة على تقديم صورة واقعية لهذا التعليم بِقصد تذليل الصعوبات العائقة و إيجاد بدائل مستقبلية تُتِيحُ التوازن المنشود في حياة النّشء الصّاعد الّذي بات جزءا لا يتجزّأ من هذا الغرب.

1 ـ أسباب الإقبال على تعلم اللغة العربية:

كثيرون هم الّذين يبرّرون الإقبال على اللّغة العربيّة بِكون الوجود العربيّ الإسلاميّ لم يعد ظرفيا أو هامشيا بل غدا  ظاهرة دائمة وواقعا حيا تلمسه وأنت تزور بعض الأحياء في دول أوروبا وخاصة فرنسا. ومع ذلك فإنّ اندماج الجالية العربيّة الإسلاميّة في الغرب تشُوبُه حواجز كثيرة، ولعل أبرزها ما يتعرض له أطفالها من صعوبات لغوية تشكل عائقا هاما في حياتهم المدرسية، مما شَرْذَمَهُمْ بين ثقافتين: فلا هم انْدَمَجُوا في محيطهم اندماجا طبيعيّا واعيا ولا هم عمقوا جذور التواصل مع حضارتهم وهويتهم.

وفي إطار العناية بهذا الجيل  من خلاب ِتحسّس مشاكله و محاولة إدماجه الإدماج الصّحيح في بيئته مع تعميق هويته الأصليّة، بدأ تدريس العربية يتبلورُ في أوربّا متجاوزا البدايات المحتشمة التي كانت مقصورة على بعض المتخصّصين في دَوَائِرِ الْبَحْثِ، كي يشمل كل الأعمار من الروضة إلى الجامعة. و في هذا الصّدد،  تقول المدرسة سيدة قدسي التي أنفقت عشرين سنة على تدريس العربية: “لقد كان الجيل الأول وحيدا في الغرب. فإذا انتبه إلى ضرورة وجود عائلته معه انتبه في الآن نفسه إلى ضرورة تعليم أبنائه اللغة العربية خوفا من الذوبان في نسق الحياة الغربية.” ويساند الدكتور الحبيب العفاس - صاحبُ منهجَيْ ” أحب اللغة العربية ” و”أتعلم العربية” هذا الرأي بقوله: “إن الإقبال على تعلم العربية في ازدياد سنة بعد سنة. فلو قارنّا بين سنتنا هته 2007 وما قبلها بعشر سنوات، لوجدنا أن عدد المقبلين على العربية قد ازداد بشكل واضح”. و يكفي اليوم أن نذكر أن عدد تلاميذ مدرسة النجاح مثلا يقارب الثماني مائة تلميذ بينما لم يكن يتجاوز في سنتها الأولى ـ قبل ثلاث عشرة سنة ـ السّتّين فقط. وهذا معهد اللسان ما يزال في سنته الأولى ويحتضن مع ذلك قرابة المائتي تلميذ. ويواصل الدكتور العفاس قائلا:” الإحساس بأهمية العربية يتنامى سنة بعد سنة. فربط الآباء أبناءهم بهذه اللغة هو ربطهم بدينهم وحضارتهم وهذا أمر أساسي له أسبابه. فجل العائلات لها تواصل يومي مع الفضائيات العربية أو الإذاعات المحلية مثل إذاعة الشرق وغيرها، مما يجعل الحديث عن اللغة العربية أو وبها هاجس الآباء.”

واللاّفت للانتباه فعلا هو اهتمام الجيل الثاني النّاشئ في الغرب الاهتمامَ البالغ بالعربيّة حتّى إنّ بعضه لَيُسافِر إلى الدول العربية كمصر وسوريا واليمن للتّعمّق فيها وفي هذا يقول العفاس: ” إن الكثير من هذا الجيل يفكر في كيفيّة توفير تربية إسلامية لابنه الّذي لم يتجاوز العامين، حيث لا مدخل لهذه التربية غير اللغة العربية. وهذا ما يعطي فعلا قوة لهذا التعليم رغم أنه شبه منعدم في المؤسّسات الرّسمية. وقد لمسنا هذا حتى في العائلات محدودة الثّقافة أو التّديّن”. إن بعض المدارس والمعاهد والمساجد تعيش يوم الأربعاء والسبت والأحد حراكاوحيوية حيث يتوافد عليها المئات من الآباء أو الأمهات يتكبدون زحمة المواصلات وتعب الطريق أسبوعيا من أجل أن يحضر أبناؤُهم درس اللّغة العربيّة.

وأمّا الأسباب الموضوعية التي كرّست هذه العودة فَهِيَ مسألة البحث عن الهوية وانتشار العنصرية والتفرقة والتمييز بين الأعراق. يقول العفاس: “إنّ المجتمعات الأوروبية كلّها تبحث عن هويتها اليوم. فالفرنسيون يبحثون عن هويتهم وكيف يدعمونها وهذا البحث دفع بالجاليات الأخرى إلى الأمر نفسه بعد أن كادت تذوب في الثقافة الفرنسية والكثيرون هم المهاجرون الّذين غيّروا اسمهم وانقطعوا تماما عن أصولهم، وكان لهذا سلبياتٌ كثيرة نرى نتائجها الآن في الضواحي الباريسية . هذا الشعور اليومي بالعنصرية في المدارس والمعاهد والجامعات أو خارجها ذهب بهذا الجيل إلى التماس معاقل تحميه وتحمي أطفاله فاتّجهوا إلى تعلم العربية قصد بناء شخصيّة متّزنة بين الماضي والحاضر، بين الأنا والآخر، وهذا نجده حتى لدى العائلات البعيدة عن الدين وطلبة معهد العالم العربي أكبر شاهد على ذلك.”

أما بالنسبة إلى غير المسلمين فهناك أربعة عوامل أو أكثرُ وراء الإقبال على هذا التّعليم هي:

1 ـ التبادل التجاري إذ إن تزايد عقود العمل اليوم مع العالم العربي وخاصة مع دول الخليج شجع هؤلاء الأجانب على تعلم العربية، فَأقبلوا عليها لمّا صارت ضرورية في حياتهم، من شأنها أن تسهّل لهم سبل التواصل والتعامل المباشر مع المجتمعات الخليجية سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد أو على مستوى المؤسسات.

2 ـ السياحة: إن طبيعة العالم العربي المتميزة تستقطب كل سنة آلاف السياح واحتكاكُ هؤلاء بالشّعب العربيّ جعلهم يحبون لُغته. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنّ ما يروّج اليوم من مغالطات عن هذا الجزء من العالم عبر وسائل الإعلام جعل شريحة لا بأس بها من الغربيين تبحث بوسائلها الخاصة عن الحقيقة بعيدا عن التّضليلات فقام هؤلاء بزيارات إلى المغرب ومصر وسوريا واليمن… فوجدوا كما يقول الدكتور العفاس : “عناصر في الثقافة العربية قد استهوتهم مثل الخط العربي والموسيقا وحسن الضيافة…” فإذا رجعوا إلى بلدانهم أقبلوا على تعلم اللغة العربية.

3 ـ الزواج المختلط: كان من نتائج انتشار هذا الزواج تعلمُ اللغة العربية. فالفرنسية التي تزوجت عربيا عليها أن تفهم ثقافته وحضارته. والفرنسي الذي تزوج بفتاة من أصل عربي عليه أن يتواصل مع ثقافها الأصليّة التي مازالت تحتفظ برواسب منها. فميشال أوسلو في فيلمه ” آزور وأسمر ” أكّد على أنّ التزواج بين اللغات والثقافات والأديان سبيل للتعايش والتسامح.

4 ـ الصحافة: إن الأحداث المشتعلة في الشرق الأوسط سواء في فلسطين أو في العراق جعلت مراسلي القنوات الغربية يُقبلون على تعلم العربية كي يتفاعلوا مع الأحداث مباشرة دون الاستعانة بمترجمين. فمجلة لوموند دبلوماتيك ستصدر مستقبلا ملحقا لها باللغة العربية وقناة فرنسا 24 على أهبة تخصيص ست ساعات بث يوميا بالعربية.

أمّا الدكتور ماهر الـمنجّد فلَهُ رأي مختلف عبّر عنه كما يلي: “الإقبال على تعلُّم اللغة العربية في فرنسا نسبي وليس بِالهائل. فاللغة العربية لغة أجنبية كغيرها من اللغات االدّخيلة، والحكم على الإقبال عليها بأنّه شديد أو غير شديد يستدعي دراسة مقارنة بينه وبين الإقبال على غيرها من اللغات الأجنبية الأخرى، إنْ على مستوى عدد التّلاميذ الّذين يدرسونها أم على مستوى نسبة المعاهد الّتي تلقّنها. ولذلك كله أرى أن الإقبال على تعلم العربية هو نسبي حسب الزاوية التي ننظر منها، ولكنه إقبال ولا شكّ يزداد باستمرار، والحكم بازدياده نابع من المقارنة الزمنية بين واقع تعلم العربية حالياً والواقع الذي كانت عليه منذ عشر سنوات فأكثر،  ويمكن تعليل هذا التطور بعدة أسباب منها ما يعود إلى تغيرات داخلية ومنها ما يتعلق بعوامل خارجية.

فعلى الصعيد الداخلي يمكننا التحدث عن عامل ازدياد الوعي لدى فئات المجتمع الفرنسي التي  من أصول عربية مسلمة حيث بدأتْ تدرك ذاتها، وأبعاد وجودها، وضرورة البحث عن هويتها وأصولها الثقافية والحضارية.  يضاف إلى ذلك كثيرٌ من الفرنسيين الذين بَدَؤُوا يهتمون بتعلّم العربية للاطلاع على الثقافة والحضارة العربية على نحو شخصي بعيداً عما تقوله أجهزة الإعلام التي فقدت مصداقيتها عند الكثيرين منهم، نتيجة تسَيُّسِها وانحيازها ومبالغاتها وأحياناً لتضليلها الرأيَ العام.

بالنسبة إلى العوامل الخارجية فلا شك أن أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وتطور قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والحرب الأمريكية على العراق وما أنتجَته من خراب ومجازر مستمرة، وردود أفعال المتطرفين… كلُّ ذلك دفع الكثيرَ من المثقفين الفرنسيين إلى تفهّم حقيقة ما يجري بعمق في الواقع النازف، وأن يطلعوا على حقيقة الثقافة العربية من خلال بوابتها اللغوية.  وقد لمستُ ذلك من خلال تجربتي الخاصة، فكان من طلابي نماذج مثيرة للاهتمام حقاً، إذ كان فيهم أطباء ومهندسون ومحامون ومتخصصون في البيولوجيا والكيمياء وعلم الاجتماع والمعلوماتية والعلوم السياسية… وكنت أهتم دائماً بفهم سر إقبالهم على العربية.”

2 ـ المناهج المعتمدة في تدريس اللغة العربية:

هناك تجارب قيّمة في تعليم العربية في فِرَنْسَا على أنّها تحتاج إلى توجيه كما يُؤخذ عليها إهمالها لنفسية التلميذ وطبيعة الفضاء الغربي الذي يعيش فيه. ومن ثمّة، وَجَبَ التّنسيقُ بين مختلف المدارس وأصحاب المناهج حول طرق التدريس وبِغاية تذِلِيل الصعوبات المواجَهَةِ وحَتَّى تتوسع دائرة المعارف والعلاقات بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْمُؤَسَّسات الْمَعْنِيَّةِ فَيَتَوَاصَلَ التلميذ مع غيره من المتعلمين ويُحِسَّ بِعُصْبَةٍ تُشَجِّعُهُ علَى الاسْتِمْرارِ في هذه الطَّرِيقِ الصَّعْبَةِ عَلَيْهِ. كما يجب التنسيق مع المدارس الفرنسية والاطلاع على مناهجها وخططها في التّعليم لِمَزِيدٍ من الاستفادة لأن اللغات تنمو وتتطور بالالتِقاء والاحتكاك.

ومن بين المناهج الّتي نجدها اليوم، تلك الّتي اعتمدت على اللغة الوسيطة الفرنسية - العربيّة الاستشراقيّة، فَالْمُعْتَمِدَةَ على اللغة العربية فقط مع تبسيطها مثلما فعل الدكتور الحبيب العفاس في منهجه الذي تطبقه الكثير من المدارس والجمعيات فَكتبَ مدرسة الأمل. وأما المدارس العربية التابعة لدولها مثل المدرسة العراقية والليبية والسعودية فقد اعتمدت على مناهجها القطرية مما يحد من إشعاعها ويعزلها عن التفاعل مع محيطها الفرنسي.

وعليه فرغم بعض الجهود الحثيثة في هذا المجال إلا أنّها تبقى محدودة لا تغطي احتياجات الراغبين في  اللغة العربية وفي هذا تقول السيدة قدسي: “إن طرق تدريس اللغة العربية في الغرب تختلف تماما عن تعليم اللغة العربية في الدول العربية فعلى المدرس القادم من تلك الدول أن يندمج هو أولا في المجتمع الجديد عَلَّهُ يدرك كيف التعامل مع الطّلاّب الفرنسيّين وما هي حاجاتهم؟ ولهذا لا بد من مناهج خاصة تحترم اهتمامات الطفل وتُسايِرُ استيعابه للغة أجداده وتحبُّبُه فيها. بيْدَ أَنَّنا إلى حد السّاعة ورغم المحاولات الجادة لم نصل بعدُ إلى المرغوب.” ويتفق معها الدكتور ماهر الـمنجّد فيما ذهبت إليه فَيَقُولُ: “لا شك أنّه لا بدّ من مناهجَ متطورةٍ لتعليم العربية. وأنا إذْ أعلنُ هذا إنّما أنطلق  من واقع تطبيقي وأستشهد بتجربتي الخاصة كما أحلّل ما هو شائع في الساحة الاستهلاكية عموماً.  لا غرو أنّه يجب أخذ ظروف الحياة الفرنسية وطبيعة إيقاعها اليومي بعين الاعتبار في مناهجَ تتأقلم مع الواقع من ناحية وتستفيد من التكنولوجيا المعاصرة من ناحية أخرى. ولذلك فقد قمتُ بتطوير أساليب ومناهج تستفيد من ميدان المعلوماتية وتستخدم وسائل متعددة سمعية مرئية أطبقها في التعليم، فَأَعْطَتْ نتائج جيدة.  فكلّ النصوص اللّغويّة المبرمجة، سجّلتها على ملفّات إلكترونيّة يمكن بثّها في جهازMB3 ليذاكرها الطالب أثناء تنقله في المواصلات، وكذلك أستخدم في التدريس شاشة عرض كبيرة تعرض المنهاج المدرّس وبعض الأفلام التربوية. وكنتُ قد شاركتُ في تطوير برنامج معلوماتي ضخم لتدريس العربية وهو من ثمانية أقراص أنتجته شركة  Auralog   ” المتخصصة في صنع برامج تعليم اللغات، وكان هذا البرنامج بطلبٍ من جامعة أميركية تُدرّس  العربية.               

وما من شك أن عقلية المدرس الجامعي الذي يؤهل أساتذة المستقبل - حيث درّستُ موادَّ النحو والصرف والبلاغة لطلاب كلية الآداب في الجامعة السورية - قد أفادتني كثيراً في طرق تعليم العربية. وقد كنتُ أتعاون مع بعض المعاهد في باريس واضعاً خبرتي في خدمتهم، ولكن المشكلة أن أكثر تلك المعاهد يتولى تدريسَ العربيةِ فيها أناسٌ غيرُ متخصصين، فكان التعامل معهم صعباً وغير مُثمر، ولا سيما عندما تأخذهم العزة بالجهل، فيفرضون رأيهم الخاطئ، ويرفضون الاعتراف بأنهم ليسوا من أهل الاختصاص، وينسون أنهم غير مؤهلين أصلاً للتدريس فما بالك عندما ينبرون لتأليف مناهج لتعليم العربية؟  والإناء بما فيه ينضح، وفاقد الشيء لا يعطيه!

ولذلك كان من نتائج سيطرة غير المتخصصين على تدريس العربية أننا نجد أن معظم المناهج المنشورة في فرنسا تعجّ بالأخطاء النحوية والصرفية واللغوية وحتى الإملائية والتربوية. ولا أبالغ إذا قلتُ إنها جريمة كبرى أن ندرّس الخطأ لأطفالنا، وهذه خيانة للعربية وثقافتها، وتشويه لها، واعتداء عليها، وتخريب لبنيانها!

وإني أنادي بتشكيل هيئة علمية لغوية، تجمع فريقاً من أهل الاختصاص حصراً، ومن ذوي الكفاءات العلمية العالية، لتكون مرجعاً أكاديمياً لعلوم اللغة العربية وآدابها وأصول تدريسها في فرنسا، أي ما يشبه مجمعاً لغوياً مصغّراً. وهذا يتطلّب مؤسسةً وإمكاناتٍ، فهل هناك يا تُرى مَن يسمع النداء؟).

 3 ـ الصعوبات والعوائق والمستقبل:

لا شك أن اللغة العربية قد وجدت اليوم مكانا في الغرب ولكنه مكان غير آمن لأنّ المتحامل عليها ما يزال موجودا. رغم ذلك تبقى إرادة الآباء - مهماً كان الجِيلُ الّذي ينتمون إليه - صامدة في هذه السّبيل حتى ولو كان ذلك بوسائل متواضعة لم ترق إلى الهدف المنشود إلا أنها تجني ثمارها من سنة إلى أخرى. فمثلا نجد أن الذين يُدَرِّسُونَ اليوم في مدرسة الشيخ أيوب هم التلاميذ ذاتهم الذين كانوا يَدْرُسُون بها بالأمس. وعليه فمع ازدياد المقبلين على تعلمها تزداد التحديات أكثر أمام الآباء والمدرسين وواضعي المناهج وفي هذا تقول السيدة قدسي: “لا ننتظر من الآخر الأخذَ بِيَدِنا على طَرِيقِ لُغَتِنا العربية بل علينا آباء ومدرسين ومسؤولين تحقيقُ ذُوَاتِنا. كان المراهقُ رافضا للعربية متعللا دائما بكثرة دروسه الفرنسية المقرّرة، ولكنّه بمرور السنوات، عاد من تلقاء نفسه إلى تعلمّها لأنها أضحت إحدى المواد الممتحن فيها والّتي من شأنها أن تمكّنه من معدّل جيّد و لأن تعلمّها يفتح له آفاق عمل داخل فرنسا

 وخارجها. ثمّ إنّه ازداد وعيا بتقدّم السّنّ فوجد أن هذه اللغة تمثل مكونا من مكونات شخصيته.”  ويدعم الدكتور الحبيب العفاس رأيها بقوله:” يجب أن يكون للمؤسسات والجمعيات التي تدرس  في فرنسا رؤية واضحة واستراتجية دقيقة حتّى تأخذ هده اللغة مكانها إلى جانب اللغات الأخرى. ولا يكون هذا إلاّ من خلال دق الأبواب على المؤسسات الحكومية الفرنسية للتأكيد على أهميتها الحضارية والجمالية والموسيقية ، فمن واجبنا اليوم فتح الجسور بيننا وبين أصحاب القرار ومحاوراتهم حتى تستقرّ العربية بطريقة طبيعية إلى جانب اللغات الأخرى.” وهدا ما نراه مثلا في ثانوية بلزاك التي فتحت فرعها العربيّ منذ خمس سنوات فإذا بها تضم اليوم حوالي سبعين طالبا يدرسون اللغة العربية كلغة حية على غرار الانجليزية والاسبانية والألمانية والبرتغالية والإيطاليّة. وجدير بالملاحظة أنّ فرع بالزاك انطلق في بدايته بخمسة تلاميذ. ويواصل العفاس:”وأنا الخبير، عندما أستدعى للحديث عن اللغة العربية ومكانتها في فرنسا أقول: “تعلم العربية اليوم اختيار عائلي. وأنا عائلُ أسرة ألتمس تعليمها لأبنائي بيد أنِّي لا أجدها إلا في إطار الجمعيّات. فإذا ما أدرجت يوما في المدارس الحكومية الفرنسية سأكون أول من يضع أبنائي فيها، لأني على يقين أنّ تعليمها في إطار حكومي وتحت إشراف وزارة التربية سيكون له فوائد ونتائج هامة وسَيُمَدُّ بإمكانات أكثر كما سيحظى بالمناهج اللازمة مما سيعيد الاعتبار للتلاميذ من ذوي الأصول العربية. إن التلميذ ساعتها سيدرس لغته في جوّ إيجابي وطبيعي مثل غيرها من اللغات وهذا سيساهم في رفع كثير من الالتباسات والمغالطات التي يحيكها البعض عن العربية ومن واجب الحكومة الفرنسية اليوم أن تأتي بالحلول لأنها هي المسؤول الأول في هذه البلاد ولأن الحلول في إطار الجمعيات موجودة رغم العراقيل الّتي يسبّبها الكراء وتسديد رواتب المعلمين ووضع المناهج.

4 ـ الخلاصات من التحقيق:

اللّغة العربيّة خامس لغة في فرنسا من حيث التّعليم العالي ومن حيث العددُ بعد الإيطاليّة وقبل الصّينيّة. وتعليمها قديم كما أنّ تبريز اللّغة العربيّة من أقدم ما يوجد في هذه الرّبوع.

وقد بلغ عدد الطلاب الذين يدرسونها في المؤسسات الرسمية الفرنسية ـ مدارس ومعاهد وجامعات ـ 6000  إلى 8000 تلميذا وطالبا، بما فيه   Le CNED والتّعليم الخاصّ.

وخارج الإطار الرسمي هناك حَوَالَى عشرة آلاف طالب يدرسون العربية. وعليه فالاهتمام باللغة العربية اليوم أمر بديهي لا ريب فيه. بيد أنّ ترجمته على أرض الواقع، في ظل تصاعد التخويف من العرب ولغتهم، يبقى صعباً.  كما أنّ “مشكلة”الفصحى والعامّيّات، يُعتبَر من أكبر العراقيل في سبيل هذا التّدريس لأنّه يحدث مشكلا بيداغوجيّا حسب المنظور الفرنسيّ لِلمسألة، وما ينشر في هذا الميدان لا بدّ أن يأخذ بعين الاعتبار اللّغتين، لا سيّما فيما يتعلّق بالحكاية والأدب الشّعبيّ.

وامتلاك العربيّة تطوير لقدرات الأطفال الإبداعية ولنشاطاتهم الفكرية والاجتماعية قصد تكوين المواطن الصالح المبدع المتقن لأكثر من لغة. ولذلك فَمن الضروري دراسة المشاكل النفسية والتّربويّة والثقافية والاجتماعية التي يعانيها أبناء المهاجرين بحكم أنهم يشكلون الأغلبية من القطاعات المقبلة على تعلم اللغة العربية، دراسةً علمية من طرف المسؤولين.

ضرورة التنسيق مع الجهات الرسمية من بلديات ودور رعاية الشباب ووزارة الثقافة وضرورة المطالبة بحقوقه حتى يبزغ اليوم الذي نرى فيه اللغة العربية مبرمجة مثل غيرها من اللغات الحية في كل المدارس والثانويات والجامعات الفرنسية. وبداية الغيث قطرة كما يقال، ونحن نجد اليوم قرابةَ ألف تلميذ يدرسون العربية في المستوى الابتدائي، في المدارس الحكوميّة الفرنسيّة، في إطار ما يسمى  l’enseignement d’initiation de langue    étrangère

أما الطريف الذي نختم به هذا التحقيق فَهو إقبال الأجانب على تعلم العربية لغة الخط والشعر والموسيقا  والحضارة، هذه اللّغة الّتي أغنت الإنسانية بعلوم وفنون وآداب يوم حافظت على تراث الأمم السابقة  بِترجمتها ثمّ إثرائها وهذا ما يمكن أن يكون موضوع تحقيق آخر.

ـــــــــــــــــ

ـ يحيى عبد المبدي محمد ” في الذكرى الرابعة لهجمات سبتمبر: الأزمة لم تكن للعرب الأميركيين شرا مطلقا.” المصدر: الموقع الالكتروني : تقرير واشطن

 HYPERLINK “http://www.taqrir.org/index.cfm”

 HYPERLINK “http://www.taqrir.org/index.cfm”

http://www.taqrir.org/index.cfm

http://www.taqrir.org/index.cfm

ـ السيدة سيدة القدسي مدرسة في مدرسة النجاح.

ـ الدكتور الحبيب العفاس ـ دكتور في علوم التربية سنة 1994. وصاحب منهج “أحب اللغة العربية” ومنهج “أتعلم العربية” وله كتابات أخرى وهو صاحب مكتبة الأندلس. 

الدكتور ماهر الـمنجّد عضو هيئة تعليمية في جامعة دمشق ـ كلية الآداب دكتوراه في الأدب المقارَن والتبادلات الثقافية والألسنية من جامعة السوربون باحث في مركز البحوث حول الأدب العام والمقارن في جامعة السوربون مدرس مادة التفسير وعلوم القرآن في المعهد العالي للعلوم الإسلامية في باريس

 



[1] Hitti.P.K. History of the Arabs.londres.1914

 

عـلمني جـرحـك..

 

 

عـلمني جـرحـك..

 

شهد ليس أمامنا خيار: علينا أن نتقدم على الأشواك وشظايا الزجاج وإلا متنا جثثا على أرصفة الشوارع.

عبد الحفيظ خميري

علمني جرحك يا شهد..

أن أغرق في الأحزان..

وأنا منذ سنوات أسترضي غرور البحر..

وأتيه في الخلجان..

وأنا مسمر العينين على شاشة الحاسوب

أبحث عن جرح أعمق من جرحي

وأعمق من كل الأحزان..

أيتها المرأة أنا تائه منذ عرفتك

تطحنني دروبي متوغلا في الأدغالْ..

أبحث عن لغة وجمل وحروف..

وأبحث لعيونك عن عنوانْ..

لغة تجعلني أجراسَ وجع حيرانْ..

شهد دموعك تشعل حيرتي..

فأبكي كفراشة أحرقها نور المصباحْ..

فركعت للموت قبل الصباحْ..

شهد على صدري ينام رأسك مثل عصفور..

ما عاد يسعفه الطيرانْ..

منذ عرفتك..

وأنا أجمع أجزاءك المتهالكة..

كشظايا الرعد المشتعل الأجفانْ..

***

شهد علمني جرحك أن أبكي كجمل هرم..

لم يعد يعانق الكثبانْ..

وها هو يساق للمسلخة عطشانْ..

علمني جرحك أن ألزم بيتي..

وأن أسهر الليالي الطوالْ..

وحتى إن نمت استيقظت من فزعي آلاف المرات.

وأنا أطارد ساعاتي وأستجمع أشلاءك الممزقة..

بين الثعالب والغربانْ..

أجوب أرصفة الطرقات والشواطئ والأدغالْ

أطارد ملامح وجهك لكي أنحت لها تمثالْ..

موسم الأمطار ما عاد يسقيني منذ عرفتك..

أثوابك الممزقة تذبحني..

وطيفك يسرق راحتي فأقتفي أثره في كل مكانْ..

علمني جرحك كيف أهيم على وجهي أعواما..

تتيه قواربي..

ودموعك المتشردة..

تفترس أفكاري..

تجفف أنهاري..

وتحرق عرائس البحر..

وتشعل فيّ غضب الشّعراء..

***

أدخلني جرحك يا شهد المغاور والكهوفْ..

والخرابات والصحاري والأدغال وظلمات البحارْ..

لما فاضت دموعك كما فاضت حمم البركانْ..

حين سكنني جرحك تاهت بي التفاصيلْ..

ودخلت معك شقوق الزلزالْ..

قبل جرحك لم يكن لي عنوانْ..

وصرت كالصبي العاشق يرسم حبيبته..

على صفحات الرمالْ..

وعلى الساعات

وعلى الجدرانْ

***

علمني جرحك أيتها الحلبيهْ

بأن أطير بلا أجنحهْ..

وأنا أعبر بلاد الجانْ..

لأرسم عيونا دموعها فاضت..

كماء الخلجانْ..

كالطوفانْ..

وأظل أحلم كيف أغرس لجرحك تينا وتوتا ورمانْ

وأنا القائد المهزومْ..

يأمر الفرسانْ..

ويمر العمر.. يا شهدْ..

وتشتعل الأحزانْ..

وأظلّ أخطو على سفح ملغومْ..

وأنا أسير إليك..

***

شهد جرحك النازف يستشري

في كل الأشياءْ..

في الصخر الأملس..

وأوراق الشجر العاري..

ويخترق تفاحة كفي..

وقد تاهت بها عواصف الخريف..

والجو البارد والأمطار..

ومنقار غراب..

جرحك يستشري..

في علب الكبريت..

وفي أصغر مخلوقات الله ..

في القطارات العابرة..

وفي فنجان القهوة التي تشربينها..

في كل السجائر وعلى منقار الطيور

وعتبات المباني..

وطبول الحرب

وتقرحات الغرباء..

***

علمني جرحك أن أبكي بكل البكاءْ

علمني كيف لا ينام الحزن..

في ليل الغرباء..

واغتصاب النجم في كبد السماء..

في قربك القرب..

وفي بعدك القرب والقرب..

وفي حضورك للغريب دواء

واحة حبّ لا يكفّ فيها الغناء..

ولكنه طرب ليس ككل الغناء

طرب الغريق في لجّ العواصف الهوجاء

في زمن الحثالة اللقطاء..

ممن جرحوا طهرك..

فسال العفاف على الرصيف..

ولم تسل الدّماء..

وظلت شهد ترفع الدعاء..

 

 

 

التعريف بعبد الحفيظ خميري

التعريف بعبد الحفيظ خميري

عبد الحفيظ خميري كاتب وصحافي تونسي ولد في 9 أكتوبر من سنة 1965 في قرية على الحدود التونسية الجزائرية اسمها بودرياس.. درس الابتدائي في مدرسة القرية .. ولأنه كان يساعد والده في إدارة الدكان لم يجد متسعا لكي يشارك أترابه طفولتهم فبقي سجين الدكان حيث كان يقضي معظم وقته في المطالعة. فانعزل عن العالم وامتدت به الوحدة بعيدا منذ كان طفلا وهو يبحر مع الكتب والروايات.. حيث بدأ شيء من الحزن والشعور بالقهر يتسرب إلى نفسه وهو يرى بؤس الناس وحرمانهم في أرياف القصرين.

دراســـــــته :

درس الثانوي في معتمدية فريانة ثم ولاية القصرين وهنا التحق ببعض الحلاقات العامة التي كانت تنظمها حركة الاتجاه الإسلامي..

تحصل على شهادة البكالوريا سنة 1986 ليلتحق بكلية الآداب بمنوبة بالعاصمة تونس شعبة أدب ولغة عربية.. حيث انضم إلى حركة الاتجاه الإسلامي أو ما بات يعرف بحركة النهضة عن طريق الانخراط في الاتحاد العام التونسي للطلبة..

عايش الأحداث كلها التي وقعت ما بين 1987 و1991 حيث خاض مع زملائه المسيرات والاجتماعات والاعتصامات والمواجهات ضد الأمن الجامعي من أجل تحسين أوضاع الطلبة..

في سنة 1991 وقعت المواجهة بين النظام التونسي وحركة النهضة من خلال التحركات التي كان يقوم بها الاتحاد العام التونسي للطلبة.. وقد تولى في هذه السنة رئاسة مجلس كلية الآداب بمنوبة نائبا عن طلبة المرحلة الثانية.

تم الحكم عليه مع مجموعة من زملائه في الجامعة بعشر سنوات سجن. فغادر تونس إلى الجزائر ثم إلى المغرب ثم إلى موريتانيا وهناك أكمل دراسته وتحصل على الإجازة في الأدب عن بحث في الشعر العربي المعاصر: ” في بينة القصيدة العربية الحديثة “.

ـ نشاطاته الثقافية :

في سنة 1994 سافر إلى فرنسا واستقر بباريس حيث قدم مطلبا للجوء السياسي. وبقي ينتظر طيلة ثلاث سنوات حتى 1996 ليتحصل على اللجوء السياسي حيث تزوج ثم تحصل على الجنسية الفرنسية التي سهلت له السفر إلى الدول العربية..

ساهم في تأسيس مجلة ” رؤى ” ثم مجلة ” مرايا ” ويتولى إلى الآن إدارة مجلة ” أجيال ” الصادرة باللغة الفرنسية.. التي تصدر عن ” جمعية أجيال ” للحوار الثقافي بباريس..

وتولى أيضا مدير تحرير مجلة “اللسان الحر” الصادرة بباريس..

ينشر مقالاته في بعض المواقع العربية وفي بعض المجلات ..

له موقع خاص به خصصه لكل ما كتب: قصة وشعرا ومقالات..

درّس في مدرسة النجاح بباريس أستاذا لأقسام الثانوي طيلة عشر سنوات..

ثم درّس في المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية بباريس سنتين..

ثم تولى مهمة التنشيط الثقافي في معهد اللسان لمدة سنة..

ـ رحـــــــــلاتـه:

زار بلدانا عربية مثل مصر وسوريا واليمن والأردن ولبنان والإمارات والسعودية والجزائر والمغرب وموريتانيا ودولا أوروبية مثل ايطاليا والنمسا وسويسرا واسبانيا وألمانيا..

ـ الإصــــدارات:

في سنواته الأولى بباريس كتب روايته: ” الخضراء والسنوات العجاف ” التي صدرت في أفريل 2009.. وله ديوان: لوحات شعرية.. نشر منه مجموعة قصائد في بعض المجلات والمواقع العربية.. ويصهر الآن على وضع اللمسات الأخيرة لروايته الثانية والثالثة إلى جانب مجموعة قصصية..

كتب عشرات المقالات في مواضيع متنوعة في التربية والإبداع والنقد وفي السياسة وفي واقع الجاليات العربية والمسلمة في الغرب..

تأثر بالتوحيدي والمعري وببدر شاكر السياب وعبد الرحمان منيف. وأعجب بنجيب الكيلاني وهاشم الرفاعي بما قدماه للأدب شعرا ونثرا..

شارك في العديد من الأمسيات الشعرية والأدبية في باريس..

يقول عنه أبو تـاج الحكمة:

عبد الحفيظ بَهاء الروضة الحاني يطيب لي عندها شدوي وألحاني

هذا قصيدك بالجرح العميق شدا يحكي لهيب النوى من قلب إنسان

عبد الحفيظ الخميريّ القصيد زها بشعرك العذب من صدق ووجدان

مواضيع قديمة