‘القصص القصيرة’

مايو 28th, 2009

وماذا بَعْدَ الصِّراطِ ؟

وماذا بَعْدَ الصِّراطِ ؟

نَجْمَةُ سَيِّدُ أَحْمَدُ

 

 

رَوَتِ الْعَجُوزُ قالَتْ:

- جَلَسَتِ الْخالَةُ مُبارَكَةُ بَلْعَيْفَةُ إزائيَ في هُدُوءٍ. كانَتْ بَلْعَيْفَةُ خادِماً عِنْدَ جَدِّكِ سِنِينَ طَوِيلَةً ثُمَّ كَبُرَتْ وشابَتْ ومَهْماً كَفَّتْ خَدَماتُها وحَبَسَتْ فإنَّها ظَلَّتْ تَزُورُنا مِنْ فِينَةٍ إلى أُخْرَى.

أَقْبَلَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ وقَدْ تَسَرْبَلَتْ وَقاراً أَشَدَّ مِنْ الّذي تَلُفُّ فِيهِ الْفَلاَّحاتُ أَنْفُسَهُنَّ عادَةً. 

نَظَرْتُ إلَيْها مَلِيحاً فَإذا إحْساسٌ غَرِيبٌ، غامِضٌ يُشْعِرُنِي بِأَنَّ شَيْئاً ذا بالٍ يُثْقِلُ فُؤادَها وأَنَّها لَنْ تُطِيلَ فَتَبُثَّهُ إلَيَّ.

وانْفَرَجَتْ شَفَتاها أَخِيراً فَهَمَسَتْ:

“- حَلَمْتُ يا أُخْتِي الْبارِحَةَ حُلْماً غَرِيباً أَبْغِي أَنْ أَحْكِيَهُ لَكِ. إنَّما جِئْتُ لأَحْكِيَهُ لَكِ.

 وكانَتْ جَدَّتُكِ مَعَنا وهِيَ قَدْ تَشْهَدُ، رُغْمَ تَقَدُّمِ السِّنِّ بِها، على كَلامِيَ الآنَ قالَتْ الْخالَةُ مُبارَكَةُ:

- رَأَيْتُنِي أَمْسِ وكَأَنَّنِي عِنْدَ قَنْطَرَةٍ طَوِيلَةٍ كُلَّ الْطُّولِ حَتَّى أَنَّ الْعَيْنَ لا تَخْطِفُ نِهايَتَها. يَبْدُو لِي أَنَّ تِلْكَ الْقَنْطَرَةَ كانَتْ هُنا بِمَضْرِبِ جِسْرِنا في حَمَّامِ قَرْقُورٍ[1]أَوْ رُبَّما أَيْضاً بِمَكانٍ آخَرَعلى كُلِّ حالٍ لا يُهِمُّ هَذا كَثِيراً. بَلِ الأَهَمُّ أَنَّ ذَلِكَ الصَّرْحَ كانَ ضَيِّقاً شَدِيدَ الضِّيقِ. ولِفَرَطِ ضِيقِهِ، كانَ لِزامٌ على الْمَرْءِ أَنْ يَمْرُقَ عَنْهُ وهُوَ على الْجَنْبِ، يَخْطُو بِقَدَمٍ واحِدَةٍ، مُقْبِلاً على هَدَفِهِ بِكَتِفِهِ.

ومَعَ ذَلِكَ فإنَّ خَلْقاً جَمّاً، غَفِيراً كانَ يَجُوزُ عَنْ تِلْكَ السَّبِيلِ الْعَجِيبَةِ. ومَثَلَتْ قُدَّامِيَ امْرَأَةٌ غَرِيبَةٌ أَمَرَتْنِي بِالنَّفاذِ فَعارَضْتُ مُتَشَجِّعَةً:

- أَبَداً لَنْ أَمُرَّ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ الرَّهِيبَةِ وَأَنا أَخْشَى الْوُقُوعَ!

أَلَحَّتْ بِحَزْمٍ:

- بَلْ سَتَمُرِّينَ لا مَحالَةَ!

فَحَمَلْتُ طِفْلِي ولَفَفْتُ نَفْسِيَ في جَلُّولٍ[2] كانَ، بَيْنَ أُولئكَ الْقَوْمِ، كُلَّ سُتْرَتِي ثُمَّ مَضَيْتُ على الْقَنْطَرَةِ، أَسِيرُ كَما يَسِيرُ الْخَلْقُ بِرِجْلٍ واحِدَةٍ.

وبَعْدَ مِشْوارٍ بَدَا لِي مُمْتَدّاً غايَةً، بَلَغْتُ مُخْرَجَ الْقَنْطَرَةِ الْعَجِيبَةِ وخَلَصْتُ إلى عالَمٍ لَمْ أَكُنْ أَشُكُّ في وُجُودِهِ قَبْلُ.

ويا أُخَيَّةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ! أَوَّلُ ما قابَلَنِي عِنْدَ مَنْفَذِ ذَلِكَ الْجِسْرِ، كائنٌ ما أَدْرِي أَ امْرَأَةٌ هُوَ أَمْ رَجُلٌ. على أَنَّهُ كانَ يَرْفَعُ يَدَهُ عالِياً، عالِياً لِيَتَناوَلَ شَيْئاً ما فَوْقَ رَأْسِهِ ولَكِنَّهُ لا يُمْسِكُهُ فَتَعُودُ يَدُهُ شاغِرَةً فَيَطْرَحُها بِعُنْفٍ فَتَغُورُ في فَراغٍ. وكَذَلِكَ دَوالَيْكِ كَفُّهُ كَدُولابِ بَعْضِ الآلاتِ الْحَدِيثَةِ لا تَرِيمُ فَسَأَلْتُهُ دَهِشَةً:

- أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِرَبِّي والنَّبِيِّ إلاَّ شَرَحْتَ لَي شَأْنَكَ أَيُّها الْحَيُّ!

تَفَوَّهَ:

- أَنا امْرُؤٌ كانَ في دُنْياهُ يَتَصَدَّقُ بَيَدِهِ ويَأْخُذُ بِلِسانِهِ. فَصِرْتُ في آخِرَتِي لا تَبْلُغُ راحَتِي شَيْئاً مِمَّ هُوَ فَوْقَ رَأْسِي! إنَّما تَكُونُ الصَّدَقَةُ في الدُّنْيا بِالْحُسْنَى. وأَنا كُنْتُ أَمُنُّ على ابْنِ آدَمَ وأُؤْذِيهِ بِالذِّكْرَى فَانْقَلَبْتُ إلى الدَّارِ الدَّائِمَةِ صِفْرَ اليَدَيْنِ.”

صَمَتَتِ الْخالَةُ مُبارَكَةُ بَلْعَيْفَةُ سانِحَةً كَأَنَّها تَلْتَقِطُ أَنْفاسَها ثُمَ أَرْدَفَتْ بِصَوْتٍ أَجَشَّ:

“- تَخَلَّيْتُ عَنْ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ الأَرِيبِ وعَدَّيْتُ إلى ما وَراءَهُ فَصادَفَتْنِي امْرَأَةٌ عارِيَةٌ كُلِّيّاً تَجْلِسُ على قَبْرٍ فَاسْتَدْرَجْتُها مَفْجُوعَةً:

- أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ بِرَبِّي والنَّبِيِّ إلاَّ وَضَّحْتِ لِي شَأْنَكِ يا وَلِيَّةُ تَقْعُدِينَ على هَذا الْقَبْرِ عارِيَةً بِلا حَياءٍ؟

أَجابَتْ بِصَوْتٍ رَتِيبٍ:

- اِعْلَمِي أَنِّي كُنْتُ في دُنْيايَ زَوْجَ قائدٍ. وهَذِهِ رُزْمَةُ ثِيابِي عِنْدَ قَدَمَيْكِ تَرَيْنَها. ولَكِنَّ أَحَداً لا يُمِدُّنِي بِها وأَحَداً لَنْ يُقَرِّبَها مِنِّي مَعَ أَنَّ يَدِي لا تَبْلُغُها أَبَداً!”

تَنَهَّدَتِ الْخالَةُ مُبارَكَةُ فَجَرَضَتْ رَيِقَها في غُصَّةٍ مَسْمُوعَةٍ مَعَ أَنَّ شَفَتَيْها أَبَداً جافَّتَانِ بَيْضاوانِ، على وَجْهٍ أَسْمَرَ أَحْرَقَتْهُ شَمْسُ الْحُقُولِ ثُمَّ اسْتَمَرَّتْ:

“- وبَيْنَما أنا كَذَلِكَ أُحاوِلُ جَمْعَ شَتاتَ عَقْلِي الْمُتَبَدِّدَ بَيْنَ تِلْكَ الْمَناظِرِ الْمُرْعِبَةِ ؛ أَحارُ في مَشاهِدَ أُدْرِكُ يَقِيناً أَنَّ خَيالِي عاجِزٌ عَنْ تَصْوِيرِ مِثْلِها رُغْمَ نَشْأَتِي بَيْنَ النَّجْذامِ وسَلاَّلِ الْقُلُوبِ[3]؛ إذا صَوْتُ حُرْمَةٍ يَدْعُونِي مِنْ خَلْفٍ أَنْ أَقْبِلِي على بَيْتِكِ فَانْظُرِي ما فِيهِ!

فَوَلَجْتُهُ أُقَلِّبُ نَظَرِي في أَرْجائهِ فإذا مُجْمَلُ ما بِهِ كُمْشَةُ قَهْوَةٍ وأَرْبَعُ رُمَّاناتٍ. وَسُرْعانَ ما أقْبَلَتْ عَلَيَّ تِلْكَ الْمَرْأَةُ فَبادَرَتْ:

- أَ ما عِنْدَكِ شَيْءٌ تَرْتَدِينَهُ؟

قُلْتُ:

-كَلاَّ يا لالاَّ الأُخَيَّةُ! ما أَنا سِوَى أَرْمَلَةٍ وذاتِ أَيْتامٍ وما أَذْكُرُ أَنَّنِي مَلَكْتُ يَوْماً جُبَّتَيْنِ على بَعْضٍ!

زَفَرَتِ الْمَخْلُوقَةُ:

- إذَنْ فَامْكُثِي كَذا عُرْيانَةً!

قالَتِ الْعَجُوزُ:

- واسْتَمَرَّتِ الْخالَةُ مُبارَكَةُ بَلْعَيْفَةُ تَصِفُ حُلْمَها بِصَوْتِها الرَّتِيبِ. لا يَتَحَرَّكُ هُدْبٌ مِنْ أَهْدابِ عَيْنَيْها الْواسِعَتَيْنِ ولا يَرْتَعِشُ أُخْدُودٌ مِنْ أَخادِيدِ وَجْهِها الْمُغْلَقِ كَأَنَّ الأَحاسِيسَ جُلَّها مُسِحَتْ عَنْهُ بِكَفٍّ مَخْفِيَّةٍ كَما تُمْسَحُ السُّبُّورَةُ بِالإسْفَنْجَةِ فَتَلَفَّظَتْ:

-”وأَفَقْتُ مِنْ حُلْمِي. وأَدْرَكْتُ أَنَّ اللهَ قَدْ فَسَخَ ما بَيْنِي وبَيْنَ عالَمِ الْغَيْبِ مِنْ حِجابِ الآخِرَةِ فَزُرْتُ ما بَعْدَ الصِّراطِ حَتَّى أَتَّعِظَ في دُنْيايَ ما دامَتِ الْمَوْعِظَةُ ما تَزالُ تَبْلُغُنِي فائدَتُها. ولِكَيْ أَصْنَعَ لِي زاداً أَحْمِلُهُ مَعِيَ عَوِيناً في تِلْكَ السَّفْرَةِ الْوَعْرَةِ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوانِ.

وذَكَرْتُ أَنَّ ذَلِكَ الْجَلُّولَ الّذي وَارَيْتُ بِهِ عَوْرَتِي عَلى الْجِسْرِ هُوَ ذَلِكَ عَيْنُهُ الّذي وَهَبْتُهُ، ذاتَ يَوْمٍ، في حَمَّامِ سَيِّدِي الْجُودِيِّ بَلْحاجٍ، عَجُوزاً جاءَتْ تَغْتَسِلُ فِيهِ ثُمَّ نَدَرَتْ مِنْ بَيْنِ مِياهِهِ السَّاخِناتِ فَبَلَغَ مِنْها الْبَرْدُ كُلَّ مَبْلَغٍ فَما كانَ مِنِّي إلاَّ أَنْ خَلَعْتُ مِرْطِي عَنْ رَأْسِي وأَلْقَيْتُهُ على كَتِفَيْ الْمِسْكِينَةِ فَدَفِئَتْ بِهِ.  

وأَمَّا تِلْكَ الْقَهْوَةُ فَمِنْ عامِ الْقَحْطِ[4]. وكانَتِ الْحُكُومَةُ تُعْطِينا، مِنْ بَيْنِ ما تُوَزِّعُهُ عَلَيْنا بِالْجِرايَةِ، الْبُنَّ.  ولَمَّا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ لَهُ ماهِيَةً ولا اسْتِعْمالاً فإنِّي كُنْتُ أَتَخَلَّى عَنْهُ لِلنَّاسِ.

وأَمَّا الرُّمَّاناتُ الأَرْبَعُ فَإنَّ وادِي السَّبْتِ[5]هَذا كانَ جُلُّهُ ضِياعاً وبِحَراً في أَيْدِي الْيَهُودِ. وإنَّهُمْ كانُوا يَسْتَأْجِرُونَ خِدْماتِي كَما يَفْعَلُونَ مَعَ بَنِي جِنْسِي، فَكُنْتُ أَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ، أَحْرُسُ بَساتِينَهُمْ. وإنَّ أَحَدَ هَؤُلاءِ الْيَهُودِ أَهْدانِي، ذاتَ يَوْمٍ، أَرْبَعَ رُمَّاناتٍ فَوَهَبْتُها بَعْضَ الْمَساكِينِ لَمَحْتُهُ مارّاً تَحْتَ الزَّرْبِ فَإذا بِي أَسْتَخْلِفُها في الآخِرَةِ”.

ثُمَّ أَقْبَلَتْ الْخالَةُ مُبارَكَةُ بَلْعَيْفَةُ على جَدَّتِكِ وخاطَبَتْها:

-”يا اللاَّ[6]زَهْرَةُ. عاهَدْتُ اللهَ عَهْداً صارِماً أَنْ لَوْ مَلَكْتُ جُبَّتَيْنِ لَتَصَدَّقْتُ بِإحْداهُما واحْتَفَظْتُ بِالأُخْرَى. فَإذا اتَّصَلْتُ بِقُرْصِ كِسْرَةٍ لأَتَصَدَّقَنَّ بِنِصْفِهِ وآكُلَ النِّصْفَ الْمُتَبَقِّيَ!”

اِسْتَأْنَفَتِ الرَّاوِيَةُ:

- وأَمْسَكَتِ الْخالَةُ مُبارَكَةُ عَنِ الْكَلامِ. وَطَوَّلَتْ أَوْ قَصَّرَتْ فَالْتَحَقَتْ بِبارِئِها عَلِيِّ الشَّأْنِ فَرَحِمَها بِإذْنِهِ وأَسْكَنَها فَسِيحَ الْجِنانِ وعَوَّضَها عَنِ الْحَيْفِ الّذي لَقِيَتْهُ في دُنْياها بِقَدْرِ ما بَلَغَها مِنْ إيمانٍ صادِقٍ، فِطْرِيٍّ، إنْشاءَ اللهُ.

وأَمَّا أَنا فَإنَّ الرُّؤْيا سَرَتْ فِيَّ سِرْيَ الْبَرْدِ. ثُمَّ هَزَّتْنِي قُشَعْرِيرَةٌ ما تَزالُ شُعَيْراتُ بَدَنِي تَنْتَصِبُ لِذِكْراها. وإنَّ كَثِيراً ما نَفَعَتْنِي تَفاصِيلُها.

أَحْلِفُ لَكِ أَنَّنِي ما عُدْتُ، بَعْدَ ذَلِكَ، أَهْتَمُّ لِهَيْئَةِ الدُّنْيا وأَشْيائها الْعابِراتِ. كَما أُوصِيكِ بِكَثْرَةِ التَّصَدُّقِ. فإذا تَصَدَّقْتِ، راعِي أَنْ يَكُونَ ما تَهَبِينَهُ مَخِيطاً نَظِيفاً وأَخْيَرُ لَكِ أَلاَّ يَدْرِيَ أَحَدٌ بِهِ. وهاأنا ذِي بَيْنَ يَدَيْكِ، ما تَعْلَمُ بَناتِي بِما أَتَصَدَّقُ إلاَّ لَماماً.

ثُمَّ يا حَبَّذا لَوْ تَمُدِّينَ ما تَهْوَيْنَ لَبْسَهُ وما تَسْتَطِيبِينَ طَعْمَهُ وما تَبْغِينَ اسْتِبْقاءَهُ. لا تَهَبِي ما تَكْرَهِينَ أَبَداً.

ويا حَبَّذا لَوْ أَنَّكِ تَتَناوَلِينَ ذَلِكَ الْفَسْتانَ وهاذاكَ الْقَمِيصَ فَتُلْبِسِينَهُ بِيَدِكِ الشَّخْصَ الّذي تَتَصَدَّقِينَ بِهِ عَلَيْهِ ولا يُهِمُّكِ أَنْ يُؤُوبَ بَعْدَئذٍ إلى بَيْتِهِ فَيَخْلَعَهُ عَنْهُ.

الْحاصِلُ ماذا نَقُولُ؟ نَقُولُ: فَلْيَرْزُقْنا اللهُ خَيْراً. ولْيَنْفَعْنا بِه. ولْيُعْطِنا ما أَعْطَيْنا.

نُورْمانْدِي في: 10-2-2000م.

  


[1] Hammam Guergour: قَرْيَةٌ في ولاية سطيف.

[2] مِرْطٌ, رِداءٌ خَشِنٌ تَرْتَدِيهِ الْفَلاَّحاتُ.

[3] أَصْلُ النَّجْذامِ لُغَةً: الأَجْذَمُ. ومِنْهُمْ مَنْ يَدْعُوهُ: “سَلاَّلَ الْقُلُوبِ” لأَنَّ التَّصَوُّرَ الشَّعْبِيَّ يَدَّعِي أَنَّ الْمَجْذُومَ لا يَبْرَأُ إلاَّ إذا أَكَلَ سَبْعَةَ قُلُوبٍ صَبِيَّةٍ فَكانَ الْفَلاَّحُونَ يُرْعِبُونَ أَطْفالَهُمْ بِهِ حَتَّى لا يَخْرُجُوا وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ.

[4] سنة 1940م.

[5] دَشْرَةٌ فَِلاحِيَّةٌ قُرْبَ حَمَّام الْقَرْقُورِ.

[6] اخْتِزالُ “لالاَّ”. وهِي لَفْظَةٌ مَحَلِّيَّةٌ لِتَعْظِيمِ النِّساءِ.

يناير 31st, 2009

إعــــــدام لـسـان..

إعــــــدام لـسـان..

عبد الحفيظ خميري

دخل غول على مدينة.. تساقطت الضحايا.. والغول يجمع الأطفال.. الأطفال خائفون يبكون.. والغول يضحك ينتشي ويطرب:

ـ بكاؤكم يطربني.. خوفكم لذتي.. رعبكم سلوتي.. دموعكم قطرات ندى تنزل على خدي..

هذه حكاية الجدّة فهي قنطرة العبور إلى بلاد الجانّ، بلاد العجيب والغريب و”شُبِّيك لُبِّيك من الغرب اجِيك، ومن شرق تطلب ما يْجِيك” .. وتمر الساعات والحفيد لا يشبع من حكايات جدته لعله يتخلص من ربقة ذلك المشهد المرعب الرهيب.. ولكن في عمقه كانت تجول أسئلة موجعة تجرح فؤاده الصغير كما يجرح الحديد فم مهر لم يتعود على اللجام:

استوقف جدته وقال بِبراءة:

ـ ولكنّ جدّتي العزيزة ما يجري على الأرض أعجب وأغرب ممّا يجري في بلاد الجان.

قالت الجدّة:

ـ إيّاك أن تعيد هذا الكلام ودعنا في بلاد الجانّ فللجدران آذان..

قال الطّفل:

(more…)

يناير 28th, 2009

إلى كمال بوصلاحي في قـبره ها قـد آنـس دربـك فارس جـديـد..

إلى كمال بوصلاحي في قـبره ها قـد آنـس دربـك فارس جـديـد..

في ‌‌ سبتمبر1997 غادرنا كمال بوصلاحي إلى الرّفيق الأعلى.. مات كمال ورسم له في ذاكرة الخضراء وشما.. مات بعد ليل أسود طويل من عمر الوطن الذي ظل كمال يحتضنه وهو يرحل من بلد إلى بلد يطلب المستقر ولكن أبت نفسه إلا أن تستقر عند ربها..

مات كمال وهو يصرخ

ـ وطني الأخضر أنقذني من المنافي التي سرقت فرحي بلم شملي.. ‍

رحل كمال إلى الأبد وقد ظلّت روحه تناجي هذا اللّيل الطّويل ساهرة، تحاول أن ترصد الأمل وما أقربه من النّفس المشبعة بالإيمان واليقين في الله.. وهل كمال إلاّ غرسة طيّبة أينعت في تربة الحقّ.. وهل كمال إلاّ ريحانة أزهرت في بستانها وتزينت بجمال الجنوب الثائر.. ولكن وارَبَّاه، من يقاوم الرّياح الحمراء حين تزرع أحلامنا في تربة الفناء ؟؟..

أَشرق نوره على صحراء الرّديف ولكنّ ذلك النّور المتألّق سرعان ما شاخ في ظلام المنافي وبرودتها الّتي تصدّت لحلم العودة كما تصدّت ذات يوم لإرادة الآباء والأجداد في التّحرّر من ربقة الاستعمار.. حياة المنافي تشعل نارا على نار لتروّض أجسادنا على قبول إيقاعها ومع تراكم السّنوات تموت حرارة الشّرق في وجداننا شيئا فشيئا..

(more…)

مايو 28th, 2008

حديث المنافي

حديث المنافي

مَقَرُّ الاِتِّحَادِ يَتَحَوَّلُ إلَى مَأْوًى لِلْمَسْحُوقِينَ…وعَلَى حَدِّ قَوْلِ مُحَمَّدٍ الطَّاهِرِ…مَقَرُّ النَّطِيحَةِ والْمُتَرَدِّيَةِ ومَا أَكَلَ السَّبُعُ…الْمِلَفُّ لا يَزَالُ مُجَمَّداً والْمَقَرُّ ضَيِّقٌ وابْنُ الْحَسَنِ يَنَامُ عَلَى جَرَّايَةٍ مَلِيحَةٍ مَلِيحَةٍ وبَلْقَاسِمُ عَبُّودِي مِنْ حِينٍ إلَى آخَرَ يَحْكِي لِي طُرْفَةً:

قَالَ أَحَدُ الشَّبَابِ: إلَى مَتَى تَسْتَمِرُّ هَذِهِ الْحَالَةُ…فَقْرٌ، بِطَالَةٌ، قَهْرٌ، ضَبَابٌ…الأَخْبَارُ تَصِلُ إلَى أَمِيرِ الْحَرَكَةِ السَّاهِرِ عَلَى حِمَايَةِ الرَّعِيَّةِ:

-كُلُّ الأُمُورِ بَخَيْرٍ، التَّقِيِيمُ عَلَى قَدَمٍ وسَاقٍ وعَمَلِيَّةُ النَّقْدِ الذَّاتِيِّ مُتَوَاصِلَةٌ…واللاَّمُبَالاَةُ مُتَوَاصِلَةٌ، الْعَلاَقَةُ مَتِينَةٌ بَيْنَ الْقَاعِدَةِ والْقِيَادَةِ، التَّحَرُّشُ بِالرُّمُوزِ هُوَ الآخَرُ مَتَوَاصِلٌ، اِكْتَشَفَتِ الْقَاعِدَةُ أَنَّ الْقِيَادَةَ جَاهِلَةٌ، الإخْوَةُ الْقَاطِنُونَ بِمَقَرِّ الاِتِّحَادِ يَلْعَبُونَ الْوَرَقَ…

أَحَدُ الإخْوَةِ الْمُتَزَوِّجِينَ (زَوْجَةٌ وثَلاَثَةُ أَطْفَالٍ) يَعِيشُ وَضْعاً عَسِيراً، يَسْكُنُ غُرْفَةً صَغِيرَةً…جَرِيدَةُ الْمَتَوَسِّطِ يُشَيَّعُ جُثْمَانُهَا وتُلْقَى مَلاَبِسُهَا في مَزَابِلِ بَارِيسَ…

قَالَ رُشْدِي: إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ فَمَا بُالُكَ بِالرَّمْيِ؟…لَوْ أَعْرِفُ مَنْ قَالَ إنَّ سُكَّانَ الْمَقَرِّ يَلْعَبُونَ الْوَرَقَ لَلَوَيْتُ لَهُ عَنْكُوشَهُ كَفَرْخِ دَجَاجٍ… (more…)

أبريل 29th, 2008

التِّيهُ الْمُبَكِّرُ فِي ذَاكِرَةِ امْرَأَةٍ

التِّيهُ الْمُبَكِّرُ فِي ذَاكِرَةِ امْرَأَةٍ

 

الْمِشْوَارُ الْمَبْتُورُ وَالْخَلاَصُ الْمُسْتَحِيلُ لِسَيِّدَةٍ آمَنَتْ بِقَدَاسَةِ الْعَلاَقَةِ الزَّوْجِيَّةِمَنْذُ سَمِعَتُ عَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وأَنَا أُمُزِّقُ الْحُرُوفَ عَنِ الْحُرُوفِ حَتَّى لا يَتَشَكَّلَ الْكَ……..يَسْتَحِيلُ لِلُّغَةِ في كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ أَنْ تَنْهَضَ صَادِقَةً فِي الإخْبَارِ عَنِ الْجُرْحِ الإنْسَانِيِّ الَّذِي اسْتَوْطَنَ ذَاكِرَةَ الْفَتَاةِ الَّتِي قَالَتْ لِزَوْجِهَا: “أَنَا مَاضِيَةٌ مَعَكَ حَيْثُ تَمْضِي

لِهَذَا ولِكُلِّ ما سَبَقَ مِنَ الثَّغَرَاتِ كانَ الْهَاجِسُ الْكَبِيرُ لِغُرْبَتِهَا هُوَ السُّؤَالُ الْمَتَكَرِّرُ الَّذِي يَلْدَغُهَا كُلَّ صَبَاحٍ ويَعُضُّهَا كُلَّ مَسَاءٍ وهِيَ الَّتِي رَكِبَتْ غِمَارَ الْعُلاَ مُقْدِمَةً عَلَى زَمَنِ الأَخْطَارِ الَّتِي اخْتَرَقَتْ أَرْضَ الْمَسَاحَاتِ الْخَضْرَاءِ الَّتِي آمَنَتْ بِخُيُولِ عُقْبَةَ وحَسَّانٍ. السَّؤَالُ، لِمَاذَا قَادَتْهَا تَصَارِيفُ الْحَيَاةِ إلَى هُنَا ومَا أَدْرَاكَ ما هُنَا ! هُنَا مَدِينَةُ بَارِيسَ الَّتِي قَرَأْتُ عَنْهَا في أَدَبِيَّاتِ النَّهْضَةِ مُتَمَثِّلَةً في كِتَابَاتِ الطَّهْطَاوِيّ والْمَسْعَدِيِّ والْحَكِيمِ الأَفْغَانِيِّ وعُبْدُه

لِمَاذَا عَصَفَتْ بِهَا رِيَاحُ التِّيهِ الْمُبَكِّرِ وحَطَّتْ بِهَا فِي شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ الَّتِي مَا زَالَتْ حُلْمَ شَبَابِ الْقَرْيَةِ الْعَرَبِيَّةِ وأُمْنِيَةَ الْمَحْرُومِينَ في أَوْطَانِهِمْ حِينَ يَقْرُصُهُمُ الْفَقْرُ ويَذْبَحُهُمُ الْبُؤْسُ الَّذِي يَمْرَحُ في تِلْكَ الْبَوَادِي ويَدْخُلُ كُلَّ الْبُيُوتِ الَّتِي تَتَضَوَّرُ جُوعاً وخَوْفاً مِنْ عُيُونٍ اعْتِادَتْ مُجَاوَرَةَ الظَّلاَمِ وتَعَوَّدَتْ عَلَيْهِ لأَنَّها جُزْءٌ مِنْهُ ولِهَذَا فَهِيَ كُلَّمَا ارْتَقَتْ في تَمْيِيزِ الْخَيَالاَتِ عَنْ جَسَدِ الظَّلاَمِ كُلَّمَا ازْدَادَتْ فَتْكاً وشَرَاسَةً وَمَعَ تَحْرِيرِ كُلِّ تَقْرِيرٍ تَأْتِي الرُّتَبُ وَ النَّيَاشِينُ وتَدُرُّ بِأَلْبَانِهَاعَلَى الْمُخْلِصِينَ لِصُخُورِ الظَّلاَمِ الَّذِي لَمْ يَنْدَحِرْ عَنِ الْقَرْيَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي بَاتَتْ مَسْلَكاً لِقِطَاعٍ الطُّرُقِ وكُلِّ الْغُزَاةِ الأَوْفِيَاءِ لِتَاجِ الْمَلِكَةِ وتَمْثَالِ الْحُرِّيَّةِ وبُرْجِ الْحَدِيدِ الشَّاهِقِ. (more…)

footer