‘قـصـص للأطـفـال’

أبريل 29th, 2008

رِحْلَةُ الشَّقَائِقِ وَصِرَاعُهُمْ مَعَ الْوَحْشِ

رِحْلَةُ الشَّقَائِقِ وَصِرَاعُهُمْ مَعَ الْوَحْشِ

كَانَ يَا مَا كَانَ فِي مَدِينَةِ الرَّاحَةِ وَالْهَنَاءِ مَخْلُوقَاتٌ جَمِيلَةٌ وَمُهَذَّبَةٌ، تُسَمَّى شَقَائِقَ الأَمَانِ. كَانَتِ الشَّقَائِقُ تُحِبُّ الْخَيْرَ، وَتُحِبُّ اللهَ، وَتَتَعَاوَنُ فِيمَا بَيْنَهَا، وَكَانَتْ لَهَا مَدِينَةٌ جَمِيلَةٌ ونَظِيفَةٌ، وَيَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا إِلَى تَطْوِيرِ أَسَالِيبِ التَّقَدُّمِ وَالتِّكْنُولُوجْيَا، لِكَيْ تَنْهَضَ وَتَتَقَدَّمَ مَدِينَتُهُ أَكْثَرَ، وَتُوجَدُ هَذِهِ الْمَدِينَةُ خَلْفَ بَحْرِ الْعَجَائِبِ. لَمْ تَعْرِفْ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتُ الْخَوْفَ وَالرُّعْبَ أَبَداً، وَلَمْ تَعْرِفِ الْحَرْبَ أَوِ الصِّرَاعَ فِيمَا بَيْنَهَا، وَكَانَ، إذَا أَخْطَأَ أَحَدُهَا فِي حَقِّ الآخَرِ، سُرْعَانَ مَا يَطْلُبُ مِنْهُ الْمَعْذِرَةَ، وَيُؤَكِّدُ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدِ الْخَطَأَ فِي حَقِّهِ، وَكَانَ الطَّرَفُ الآخَرُ سُرْعَانَ مَا يَتَجَاوَزُ عَنْ خَطَإِ صَاحِبِهِ، وَيَقْبَلُ اعْتِذَارَهُ بِقَلْبٍ أَبْيَضَ سَعِيدٍ لاَ مَجَالَ فِيهِ لِكُرْهِ الآخَرِينَ وَالْحِقْدِ عَلَيْهِمْ…

وَكانَتْ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتُ فِي تَرْكِيبَتِهَا قَرِيبَةً مِنْ شَكْلِ الإِنْسَانِ، وَلَكِنَّهَا أَصْغَرُ مِنْهُ حَيْثُ لاَ يَتَجَاوَزُ طُولُ الْوَاحِدِ الْمِتْرَ، وَكَانَتْ تَتَمَتَّعُ بِجَمَالٍ هَائِلٍ.. فَلَهَا مِنَ النَّهَارِ بَيَاضُهُ، وَلَهَا مِنَ الشَّمْسِ شُعَاعُهَا، وَلَهَا مِنَ الْقَمَرِ صَفَاءُهُ، وَلَهَا مِنَ الزُّهُورِ طِيبُهَا، وَلَهَا مِنَ الْعَصَافِيرِ عُذُوبَةُ أَصْوَاتِهَا، وَلَهَا مِنَ الْبَحْرِ مُتْعَتُهُ… 

وَكَانَ يَحْكُمُ هَذِهِ الْمَدِينَةَ شَقِيقُ مَسْؤُولٌ. فَكَانَ لاَ يَنَامُ اللَّيْلَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ كُلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَيَطْمَئِنَّ عَلَى سَلاَمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَكَانَ عِنْدَهُ فِي الْقَصْرِ شَاشَاتٌ كَبِيرَةٌ صَنَعَهَا مُهَنْدِسُو الْمَدِينَةِ خِصِّيصاً لِلسَّهَرِ عَلَى رَاحَةِ السُّكَّانِ. وَكَانَتْ هَذِهِ الشَّاشَاتُ مَرْبُوطَةً بِشَبَكَاتٍ كَثِيرَةٍ تَرْبِطُ كُلَّ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْمَدِينَةِ بِقَصْرِ الْحَاكِمِ. وَفِي صُورَةِ وُقُوعِ أَبْسَطِ حَادِثٍ، مَا عَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ إِلاَّ أَنْ يَضْغَطَ عَلَى زِرِّ عَدَسَةٍ عِنْدَهُ، فِي رُكْنِ الْبَيْتِ حَتَّى تَهُبَّ إِلَيْهِ النَّجْدَةُ بِأَمْرِ الرَّئِيسِ، وَتَأْتِيَ فِرَقُ الإِنْقَاذِ وَالشُّرْطَةِ لِدِرَاسَةِ الْحَادِثِ مِنْ كُلِّ نَوَاحِيهِ. (more…)

footer