‘اخـتـرت لـكـم’

مايو 22nd, 2009

مُرُوءَةٌ وَوَفَاءٌ

مُرُوءَةٌ وَوَفَاءٌ

 

 خَرَجَ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ مَلِكُ الْحِيرَةِ يَوْماً يَتَصَيَّدُ على فَرَسِهِ الْيَحْمُومِ[1]، فَأَجْرَاهُ عَلَى إثْرِ عِيرٍ[2]، فَذَهَبَ بِهِ الْفَرَسُ فِي الأَرْضِ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وانْفَرَدَ عَنْ أَصْحَابِهِ، وأَخَذَتْهُ السَّمَاءُ، فَطَلَبَ مَلْجَأً يَلْجَأُ إلَيْهِ، فَدَفَعَ إلَى بِنَاءٍ، فإذَا فِيهِ رَجُلٌ مِنْ طَيْءٍ يُقالُ لَهُ حَنْظَلَةُ وَمَعَهُ امْرَأَةٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُما: - هَلْ مِنْ مَأْوًى؟ فَقَالَ حَنْظَلَةُ: - نَعَمْ! فَخَرَجَ إلَيْهِ فَأَنْزَلَهُ، ولَمْ يَكُنْ لِلطَّائِيِّ غَيْرُ شَاةٍ، وهُوَ لا يَعْرِفُ النُّعْمَانَ. فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ:

-         أَرَى رَجُلاً ذَا هَيْئَةٍ، ومَا أَخْلَقَهُ أَنْ يَكُونَ شَرِيفاً خَطِيراً، فَمَا الْحِيلَةُ؟ قَالَتْ:

-          عِنْدَي شَيْءٌ مِنْ طَحِينٍ كُنْتُ ادَّخَرْتُهُ فَاذْبَحِ الشَّاةَ لأَتَّخِذَ مِنَ الطَّحِينِ خُبْزَ مَلَّةٍ ![3]

  وأَخْرَجَتِ الْمَرْأَةُ الدَّقِيقَ فَخَبَزَتْ مِنْهُ، وقامَ الطَّائِيُّ إلى شَاتِهِ فَاحْتَلَبَها ثُمَّ ذَبَحَها، فَاتَّخَذَ مِنْ لَحْمِها مَرَقَةً مَضِيرَةً[4]، وأَطْعَمَهُ مِنْ لَحْمِها، وسَقَاهُ مِنْ لَبَنِها، وجَعَلَ يُحَدِّثُهُ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِ.

  فَلَمَّا أَصْبَحَ النُّعْمَانُ، لَبِسَ ثِيَابَهُ ورَكِبَ فَرَسَهُ، ثُمَّ قالَ: - يا أَخَا طَيْءٍ اُطْلُبْ ثَوَابَكَ ! أَنَا الْمَلِكُ النُّعْمَانُ. قَالَ: - أَفْعَلُ إنْ شَاءَ اللهُ.

  ثُمَّ لَحِقَ الْخَيْلَ فَمَضَى نَحْوَ الْحِيرَةِ. ومَكَثَ الطَّائِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ زَمَاناً حَتَّى أَصَابَتْهُ نَكْبَةٌ وجَهْدٌ وسَاءَتْ حَالُهُ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: - لَوْ أَتَيْتَ الْمَلِكَ لأَحْسَنَ إلَيْكَ ! فَأَقْبَلَ  حَتَّى انْتَهَى إلى الْحِيرَةِ، فَوَافَقَ يَوْمَ بُؤْسِ النُّعْمَانِ، فإذا هُوَ وَاقِفٌ في خَيْلِهِ، في السِّلاَحِ.

 فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ النُّعْمَانُ عَرَفَهُ، وسَاءَهُ مَكَانُهُ، فَوَقَفَ الطَّائِيُّ المَنْزُولُ بِهِ بَيْنَ يَدَيِ النُّعْمَانِ فَقَالَ لَهُ: - أَنْتَ الطَّائِيُّ الْمَنْزُولُ بِهِ ؟ قَالَ : - نَعَمْ ! قَالَ: - أَ فَلاَ جِئْتَ  في غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ؟ قَالَ: - أَبَيْتَ اللَّعْنَ، ومَا كَانَ عِلْمِي بِهَذَا الْيَوْمِ؟ قَال: - واللهِ لَوْ سُنِحَ لِي، في هَذَا الْيَوْمِ، قَابُوسٌ ابْنِي لَمْ أَجِدْ بُدّاً مِنْ قَتْلِهِ، فَاطْلُبْ حاجَتَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وسَلْ مَا بَدَا لَكَ فإنَّكَ مَقْتُولٌ. قالَ: - أَبَيْتَ اللَّعْنَ، وما أَصْنَعُ بِالدُّنْيَا بَعْدَ نَفْسِي؟ قالَ النُّعْمَانُ: - إنَّهُ لا سَبِيلَ إلَيْها. قَال: - فإنْ كانَ لا بُدَّ فَأَجِّلْنِي حَتَّى أُلِمَّ بِأَهْلِي فَأُوصِيَ إلَيْهِمْ وأُهَيِّئَ حالَهُمْ ثُمَّ أَنْصَرِفَ إلَيْكَ. قَال النُّعْمَانُ: - فَأَقِمْ لِي كَفِيلاً بِمُوَافَقَتِكَ. فَالْتَفَتَ الطَّائيُّ إلى شُرَيْكٍ[5]بْنِ عَمْرٍو، وهُوَ وَاقِفٌ بِجَنْبِ النُّعْمَانِ فَقالَ:

يَا شَرِيكاً يا بْنَ عَمْرٍو     هَلْ مِنَ الْمَوْتِ مَحَالَـة[6]؟

يا أَخَا كُلِّ مُضَـافٍ[7]      يا أَخَا مَنْ لا أَخَـا لَـهْ

يا أَخَا النُّعْمَانِ فُـكَّ الْيَـوْمَ ضَيْـفـاً قَـدْ أَتَى لَـهْ

فَأَبَى شَرِيكٌ أَنْ يَتَكَفَّلَ بِهِ فَوَثَبَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ يُقالُ لَهُ قُرَادٌ بْنُ أَجْدَعَ فَقَال لِلنُّعْمَانِ: - أَبَيْتَ اللَّعْنَ، هُوَ عَلَيَّ. قَال النُّعْمَانُ: أَ فَعَلْتَ؟ قَال: - نَعَمْ. فَضَمَّنَهُ إيَّاهُ ثمَّ أَمَرَ لِلطَّائيِّ بِخَمْسِ مِئَةِ ناقَةٍ. فَمَضَى الطَّائيُّ إلى أَهْلِهِ وقَدْ جَعَلَ الأَجَلَ حَوْلاً مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ قَابِلٍ. فَلَمَّا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وبَقِيَ مِنَ الأَجَلِ يَوْمٌ، قَال النُّعْمَانُ لِقُرَادٍ: - ما أَرَاكَ إلاَّ هَالِكاً غداً. فَقَال قُرَادٌ:

فَإنْ يَكُ صَدْرُ هَذَا الْيَوْمِ وَلَّى      فإنَّ غداً لِنَاظِرِهِ قَرِيبُ

فَلَمَّا أَصْبَحَ النُّعْمَانُ، رَكِبَ في خَيْلِهِ ورَجُلِهِ، مُتَسَلِّحاً كَمَا يَفْعَلُ حَتَّى أَتَى الْغَرِيَّيْنِ[8]فَوَقَفَ بَيْنَهُمَا، وأَخْرَجَ مَعَهُ قُرَاداً وأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقَال لَهُ وُزَرَاؤُهُ: - لَيْسَ لَكَ أَنْ تَقْتُلَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ يَوْمَهُ. فَتَرَكَهُ، وكانَ النُّعْمَانُ يَشْتَهِي أَنْ يَقْتُلَ قُرَاداً لِيُفْلِتَ الطَّائيُّ مِنَ الْقَتْلِ. فَلَمَّا كادَتِ الشَّمْسُ تَجِبُ[9]، وقُرَادٌ قائمٌ مُجَرَّدٌ فِي إِزَارٍ عَلى النِّطْعِ[10]، والسَّيَّافُ إلى جَنْبِهِ. أَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ وهِيَ تَقُولُ:

أَيَـا عَيْنُ بَكِّي لِي قُرَادَ بْنَ أَجْدَعَ   رَهِينـاً لِقَتْـلٍ لا رَهِـينـاً مُوَدَّعَـا

أَتَتْهُ الْمَنـَايَا بَغْتَـةً دُونَ قَوْمِـهِ    فَأَمْسَى أَسِيراً حَاضِرَ الْبَيْتِ أَضْرَعَا[11]

فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إذْ رُفِعَ لَهْمُ شَخْصٌ مِنْ بَعِيدٍ وقَدْ أَمَرَ النُّعْمَانُ بِقَتْلِ قُرَادٍ، فَقِيلَ لَهُ: - لَيْسَ لَكَ أَنْ تَقْتُلَهُ حَتَّى يَأْتِيَكَ الشَّخْصُ فَتَعْلَمَ مَنْ هُوَ؟ فَكَفَّ حَتَّى انْتَهَى إلَيْهِمِ الرَّجُلُ فَإذَا هُوَ الطَّائِيُّ.

  فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ النُّعْمَانُ، شَقَّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ، فَقَالَ لَهُ: - مَا حَمَلَكَ عَلى الرُّجُوعِ بَعْدَ إفْلاَتِكَ مِنَ الْقَتْلِ؟ قَالَ: - الْوَفَاءُ ! قَالَ: - ومَا دَعَاكَ إلَى الْوَفَاءِ؟ قَالَ: - دِينِي ! قَالَ النُّعْمَانُ: - وما دِينُكَ؟ قَالَ: - النَّصْرَانِيَّةُ ! قَالَ النُّعْمَانُ: - فَأَعْرِضْهَا عَلَيَّ ! فَعَرَضَهَا عَلَيْهِ فَتَنَصَّرَ النُّعْمَانُ وأَهْلُ الْحِيرَةِ أَجْمَعُونَ وتَرَكَ الْقَتْلَ مُنْذُ عامِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَبْطَلَ تِلْكَ السُّنَّةَ وأَمْرَ هَدَمَ الْغَرِيَّيْنِ وعَفَا عَنْ قُرَادٍ والطَّائِيِّ وقَالَ: - واللهِ ما أَدْرِي أَيُّكُمَا أَوْفَى وأَكْرَمُ:

أَ هَذَا الَّذِي نَجَا مِنَ الْقَتْلِ فَعَادَ، أَمْ هَذَا الَّذِي ضَمِنَهُ؟ واللهِ لا أَكُونُ أَلأَمَ الثَّلاَثَةِ ! فَأَنْشَأَ الطَّائيُّ يَقُولُ:

مَا كُنْتُ أُخْلِفُ ظَنَّهُ بَعْدَ الَّذِي     أَسْدَى إلَيَّ مِنَ الْفَعَالِ الْخَالِي

ولَقَدْ دَعَتْنِي لِلْخِلاَفِ ضَلاَلَتِي     فَأَبَيْتُ غَيْرَ تَمَجُّدِي وَفَعَالِـي

إنِّي امْرُؤٌ مِنِّي الْوَفَاءُ سَجِيَّـةٌ    وجَزَاءُ كُـلِّ مُـكَارِمٍ بَـذَّالِ[12]


[1] الْيَحْمُومُ مَعْنَاهُ الأَصْلِيُّ: الدُّخَانُ.

[2] الحِمارُ الْوَحْشِيُّ.

[3] الْمَلَّةُ: الرَّمَادُ الْحارُّ والْجَمْرُ، وخُبْزُ الْمَلَّةِ: ما يُصْنَعُ فِيها.

[4] المَضِيرة: أنْ يُطْبَخَ اللَّحْمُ بِاللَّبَنِ الْبَحْتِ الصَّرِيحِ حَتَّى يَنْضُجَ.

[5] كانَ شُرَيْكٌ هَذَا رَدِيفَ النُّعْمَانِ، يَجْلِسُ عَنْ يَمِينِهِ ويَشْرَبُ بَعْدَهُ ويَخْلِفُهُ إذا غَزَا.

[6] محالة: حِلَية.

[7] المُضافُ: الِّذِي أُحِيطَ بِهِ والّذِي أُلْجِئَ وأُحْرِجَ وأَُثْقِلَ بِالشَّرِّ.

[8] زَعَمُوا أَنَّ النُّعْمَانَ غَضِبَ لَيْلَةً على نَدِيمَيْنِ لَهُ وهُوَ سَكْرَانُ، فَأَمَرَ أَنْ يُحْفَرَ لِكُلٍّ مِنْهُما حُفْرَةٌ ويُلْقَى فِيَها حَيَّاً فَنُفِّذَ أَمْرُهُ. فَلَمَّا أَفَاقَ، سَأَلَ عَنْهَمَا فَخُبِّرَ خَبَرَهُما، فَأَمَرَ أَنْ يُبْنَى على قَبْرَيْهِمَا بِناءٌ جَمِيلٌ وسَمَّى الْبِنَاءَيْنِ: الْغَرِيَّيْنِ. والْغَرِيُّ: الْحَسَنُ. وجَعَلَ لنَفْسِهِ، كُلَّ سَنةٍ، يَوْمَيْنِ: يَوْمِ بُؤْسٍ ويَوْمِ نَعِيمٍ، فَيَقْتُلُ يَوْمَ بُؤْسِهِ أَوَّلَ مَنْ يَلْقَاهُ، ويُحْسِنُ إلى أَوَّلِ مَنْ يَلْقاهُ يَوْمَ نَعِيمِهِ بِمِئَةِ نَاقَةٍ.

[9] تَجِبُ: تَغِيبُ.

[10] بِساطٌ مِنْ جِلْدٍ.

[11] ذَلِيلا.

[12] كَارَمَهُ فَكَرَمَهُ كَنَصَرَهُ: غَالَبَهُ في الْكَرَمِ فَغَلَبَهُ فِيهِ. والبَذَّالُ: كَثِيرُ الْبَذْلِ والْعَطَاءِ.

footer