مايو 22nd, 2009
عِنْدَمَا تَتَجَوَّلُ بِنَا نَجْمَةُ سَيِّدُ أَحْمَدُ بَيْنَ وَاحَاتِ الْقَصَصِ الشَّعْـبِيِّ..
عِنْدَمَا تَتَجَوَّلُ بِنَا نَجْمَةُ سَيِّدُ أَحْمَدُ بَيْنَ وَاحَاتِ الْقَصَصِ الشَّعْـبِيِّ..
عبد الحفيظ خميري
لَمْحَةٌ عَنِ الأَدَبِ الشَّعْبِيِّ:
مَثَّلَ الأَدَبُ الشَّعْبِيُّ - قِصَّةً كَانَ أَوْ شِعْراً - إِرْثاً عَالَمِيّاً مُشْتَرَكاً بَيْنَ الْكَثِيرِ مِنَ الشُّعُوبِ، وَلَكِنْ يَبْقَى لِكُلِّ شَعْبٍ طَرِيقَتُهُ فِي التَّعْبِيرِ لأَنَّهَا مَرْبُوطَةٌ بِثَقَافَةِ ذَلِكَ الْمُجْتَمَعِ. وَالْقَصَصُ الشَّعْبِيُّ هُوَ جُزْءٌ مِنْ تِلْكَ الثَّقَافَةِ كَمَا ظَلَّ هَذَا الأَدَبُ يُمَثِّلُ أَحَدَ الرَّوَافِدِ الَّتِي طَالَمَا غَذَّتْ وَأَغْنَتِ الأَدَبَ الْعَالَمِيَّ. فَهَذَا الْجِنْسُ مِنَ الأَدَبِ الْفُلْكْلُورِيِّ شَكَّلَ ذَاكِرَةَ الشُّعُوبِ فِي مُخْتَلِفِ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ، فَلَمْ يُعْرَفْ هُنَاكَ شَعْبٌ مِنَ الشُّعُوبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَدَبُهُ الشَّعْبِيُّ الْخَاصُّ بِهِ وَالْقَرِيبُ مِنْ حَيَاتِهِ وَالْمُتَرْجِمُ لِهَوَاجِسِهِ وَأَحَاسِيسِهِ تِجَاهَ مَا يَعِيشُهُ أَوْ مَا يُفَكِّرُ فِيهِ، حَتَّى إِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الأَدَبِ الْفُلْكْلُورِيِّ اِسْتَطَاعَ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى هُوِيَّةِ هَذِهِ الشُّعُوبِ لأَنَّهُ تَطَبَّعَ بِطِبَاعِهَا وَتَكَيَّفَ بِظُرُوفِ حَيَاتِهَا وَتَشَبَّعَ بِآلاَمِهَا، وَمِنْ هُنَا شَكَّلَ لِلأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ خَزَّاناً مِنَ الْعِبَرِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْحِكَمِ وَالْمُتْعَةِ وَالتَّشْوِيقِ وَالتَّنْفِيسِ فِي وَقْتِ الأَزَمَاتِ وَالْحُرُوبِ. وَلَئِنْ وَجَدْنَا كَثِيراً مِنَ الْحِكَايَاتِ الشَّعْبِيَّةِ بِعَيْنِهَا تُرْوَى هُنَا كَمَا تُرْوَى هُنَاكَ، فِي هَذَا الْبَلَدِ أَوْ ذَاكَ، أَوْ فِي هَذِهِ الْقَارَةِ أَوْ تِلْكَ، وَلَكِنْ مَا تَخْتَلِفُ فِيهِ هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْ أُخْتِهَا لَيْسَ اخْتِلاَفَ الشَّخْصِيَّاتِ أَوْ مَوْضُوعِ الْحِكَايَةِ بَلْ مَا يُمَيِّزُ الْحِكَايَةَ فِي هَذِهِ اللُّغَةِ عَنْ أُخْتِهَا فِي لُغَةٍ أُخْرَى هُوَ أَنَّ الْحِكَايَةَ الشَّعْبِيَّةَ تَتَزَيَّنُ بِزِينَةِ الْقَوْمِ وَعَادَاتِهِمْ وَتَقَالِيدِهِمْ وَتَتَطَبَّعُ بِأَعْرَافِهِمِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ وَهَوَاجِسِهِمِ النَّفْسِيَّةِ وَاهْتِمَامَاتِهِمِ الثَّقَافِيَّةِ فَجُحَا الْمَشْرِقِيُّ مَثَلاً لَيْسَ هُوَ أَنْجُو الإِفْرِيقِيَّ بَيْنَمَا اسْتَوَى جُحَا الْمَغْرِبِيُّ بَيْنَهُمَا.. إنَّ كُلَّ بَلَدٍ وَظَّفَ هَذِهِ الرُّمُوزَ لآرَائِهِ الْمَحَلِّيَّةِ وَلِهُمُومِهِ الْيَوْمِيَّةِ..
إِنَّ الْحَكَوَاتِيَّ سَوَاءٌ فِي الأَدَبِ الشَّعْبِيِّ الْعَرَبِيِّ أَوِ الْعَالَمِيِّ مَثَلٌ لِقُرُونٍ النَّجْمَ الَّذِي يَتَحَلَّقُ حَوْلَهُ النَّاسُ لِسَمَاعِ الْقَصَصِ الشَّعْبِيِّ وَمَا يَتَضَمَنَّهُ مِنْ حِكَمٍ وَتَوْجِيهَاتٍ وَرُمُوزٍ وَتَلْمِيحَاتٍ وَمَوَاقِفَ تِجَاهَ مَا يَجْرِي مِنَ الأَحْدَاثِ فِي الْبَلَدِ.. وَلاَ بُدَّ مِنَ الإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الأَدَبِ نَمَا وَتَرَعْرَعَ فِي الأَرْيَافِ وَالْقُرَى وَالْبَوَادِي حَيْثُ كَانَ لَهُمْ مُتَنَفَّساً فِي ظِلِّ الْفَقْرِ وَالاِسْتِبْدَادِ وَالتَّفَاوُتِ الطَّبَقِيِّ، حَيْثُ يَتَصَبَّرُونَ وَيَتَسَلَّوْنَ مِنْ خِلاَلِ رِوَايَتِهِ. وَنَذْكُرُ هُنَا مَثَلاً أَنَّ أُورُوبَّا قَدِ اِسْتَطَاعَتْ أَنْ تَجْمَعَ أَدَبَهَا الشَّعْبِيَّ فِي الْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ وَبِهَذَا اِسْتَطَاعَتْ أَنْ تَنْتَشِلَهُ مِنَ الْمَوْتِ وَالذَّوَبَانِ غَيْرَ أَنَّ الأَدَبَ الشَّعْبِيَّ الْعَرَبِيَّ ظَلَّ مَبْخُوسَ الْحَقِّ مُهْمَلاً مُتَجَاهَلاً مَا عَدَا بَعْضَ الْمُحَاوَلاَتِ الْمُتَوَاضِعَةِ مِنْ أَفْرَادٍ حَاوَلُوا تَدْوِينَ مَا اسْتَطَاعُوا تَدْوِينَهُ مِثْلَمَا فَعَلَتِ السَّيِّدَةُ نَجْمَةُ فِي “حِكَايَاتِ جَدَّتِي”.. فَالْمَكْتَبَةُ الْعَرَبِيَّةُ فَقِيرَةٌ مِنْ هَذَا الأَدَبِ بَيْنَمَا لَوْ دَخَلْنَا مَكْتَبَاتِ فِرَنْسَا لَوَجَدْنَاهَا حَافِلَةً بِهَذَا الأَدَبِ وَعَامِرَةً بِالْقِصَصِ وَالْحِكَايَاتِ الشَّعْبِيَّةِ وَقَدْ تَحَوَّلَ الْكَثِيرُ مِنْهَا إِلَى أَعْمَالٍ سِينِمَائِيَّةٍ أَوْ تَلْفَزِيَّةٍ أَوْ مَسْرَحِيَّةٍ.. وَلْنَذْكُرْ أَيْضاً أَنَّ الرَّوَائِعَ الْعَالَمِيَّةَ تَشَكَّلَتْ انْطِلاَقاً مِنْ قِصَصٍ شَعْبِيَّةٍ.. وَنَحْنُ نَعْرِفُ أَنَّ حِكَايَاتِ “أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ” مَا كَانَتْ لِتَعِيشَ وَتَحْتَلَّ هَذَا الاِهْتِمَامَ الْعَالَمِيَّ لَوْ لَمْ تُكْتَبْ وَتُتَرْجَمُ وَيَوْمَ كُتِبَتْ وَتُرْجِمَتْ سَافَرَتْ حَوْلَ الْعَالَمِ ولاَ تَزَالُ تُسَافِرُ إلَى الْيَوْمِ.. إِنَّهَا فِي وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِهَا وَسِيلَةٌ سَيْكُولُوجِيَّةٌ لِعِلاَجِ النُّفُوسِ مِنْ أَمْرَاضِ الْوَاقِعِ الْيَوْمِيِّ الْمَشْحُونِ وَهِيَ تَفْرِيغٌ لِكَبْتٍ تَوَارَثَتْهُ نَتِيجَةَ الْخَوْفِ جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ، زَمَنَ لَمْ يَكُنِ الإنْسَانُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ مَا يُرِيدُ فَلَجَأَ إِلَى الْقِصَّةِ الشَّعْبِيَّةِ لِيُحَمِّلَهَا مَا يُرِيدُ..
الْكَاتِبَةُ وَالأَدَبُ الشَّعْبِيُّ:
نَجْمَةُ سَيِّدُ أَحْمَدُ مِنْ مَوَالِيدِ 4 سِبْتَمْبَر 1968 بِبُولُوغِينَ (الْجَزَائِرِ الْعَاصِمَةِ)، مُتَحَصِّلَةٌ عَلَى شَهَادَةِ لِيسَانْسَ فِي اللُّغَةِ والأَدَبِ الْعَرَبِيِّ مِنْ جَامِعَةِ الْجَزَائِرِ الْمَرْكَزِيَّةِ، عَمِلَتْ فِي النَّشْرِ ثُمَّ فِي تَعْلِيمِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لِلْفِرَنْسِيِّينَ مِنْ مُخْتَلِفِ الأُصُولِ فِي بَارِيسَ، تَخَصَّصَتْ فِي جَمْعِ التُّرَاثِ الشَّعْبِيِّ الْجَزَائِرِيِّ.. فَمَا هِيَ يَا تُرَى الأَسْبَابُ الْمُبَاشِرَةُ وَغَيْرُ الْمُبَاشِرَةِ فِي هَذَا التَّوَجُّهِ نَحْوَ هَذَا الْجِنْسِ مِنَ التُّرَاثِ الَّذِي تَغَافَلَتْ عَنْهُ الْمُؤَسَّسَاتُ الثَّقَافِيَّةُ الرَّسْمِيَّةُ الْعَرَبِيَّةُ؟
مَا يُلْمَسُ فِي كِتَابَاتِ السَّيِّدَةِ نَجْمَةَ سَيِّدِ أَحْمَدَ، سَوَاءٌ فِي كِتَابِهَا الأَوَّلِ “حِكَايَاتِ جَدَّتِي” أَوْ فِي هَذِهِ الْمَجْمَوعَةِ الْقَصَصِيَّةِ الَّتِي هِيَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، هُوَ هَذَا الْوَفَاءُ لِهَذَا الأَدَبِ الشَّعْبِيِّ وَشِدَّةُ التَّعَلُّقِ بِهِ وَبَعْثُهُ حَيْثُ عَمِلَتْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ عَشْرٍ عَلَى إِحْيَائِهِ بِكِتَابَتِهِ وَتَدْوِينِهِ وَبِذَلِكَ تُنْقِذُهُ مِنَ التَّلَفِ وَالضَّيَاعِ خَاصَّةً وَقَدْ مَاتَ مُعْظَمُ أَفْرَادِ الْجِيلِ الَّذِي ظَلَّتْ ذَاكِرَتُهُ أَمِينَةً عَلَى هَذَا الأَدَبِ الشَّعْبِيِّ يَتَوَارَثُونَهُ جِيلاً عَنْ جِيلٍ. لَكِنَّ هَذَا الأَدَبَ غَابَ عَنِ السَّاحَةِ بِدُخُولِ الْمِذْيَاعِ ثُمَّ بَعْدَهُ التِّلْفَازِ إِلَى كُلِّ بَيْتٍ..
أَمْضَتِ الْكَاتِبةُ طُفُولَتَها فِي مَنْطِقَةِ الْقَبَائِلِ بِالْجَزَائِرِ وتَعَوَّدَتْ أُذُنَاهَا عَلَى سَمَاعِ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ وَخَفَقَ قَلْبُهَا بِحُبِّهَا سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَرْوِيَّةً بِالْقَبَائِلِيَّةِ أَوِ الْعَرَبِيَّةِ لُغَتَيْهَا، فَاحْتَفَظَتْ ذَاكِرَتُها بِمَا سَمِعَتْ مِنْ قِصَصٍ ومَا شَبَّتْ عَلَيْهِ مِنْ حِكَمٍ فَقَدْ تَرَبَّتْ عَلَى يَدِ جَدَّتِهَا بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهَا..
وَإِنَّ هَذِهِ الْجَدَّةَ هِيَ مُدَرِّسَتُهَا الأُولَى الَّتِي نَهَلَتْ مِنْ مَعِينِهَا وَجَدَّتُهَا لَيْسَتْ قَصَّاصَةً بِالْمَعْنَى الْفُلْكْلُورِيِّ الْمُتَعَارَفِ عَلَيْهِ بَلْ كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ لِلنُّصْحِ وَالتَّوْجِيهِ وَالتَّقْوِيمِ، تَضْرِبُ بِهَا مَثَلاً أَوْ تُلَمِّحُ بِهَا إِلَى فِكْرَةٍ أَوْ تُورِدُهَا كَعِبْرَةٍ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَعْتَبِرَ أَوْ إشَارَةٍ لِمَنْ يُرِيدُ الاِسْتِشَارَةَ. وَالْكَاتِبَةُ تَفْخَرُ بِجَدَّتِهَا الْعِصَامِيَّةِ التَّكْوِينِ كَثِيراً لَكِنَّهَا، وَهِيَ حَفِيدَةُ الإمَامِ، اِسْتَطَاعَتْ أَنْ تَكْتَسِبَ ثَقَافَةً وَاسِعَةً مِنْ مَدْرَسَةِ الْحَيَاةِ..
كانَتِ الْجَدَّةُ تَتَحَدَّثُ فِي كُلِّ الْمَوَاضِيعِ وَيَزُورُهَا سَادَةُ الْقَوْمِ لِلنَّصِيحَةِ وَالْمَشُورَةِ.. هَذِهِ الْجَدَّةُ الَّتِي عَاشَتْ حَوَالَيْ مائَةَ سَنَةٍ مَثَّلَتْ مَرْجِعاً لأَهْلِ دَشْرَتِهَا وعَشِيرَتِهَا، تَعِضُ نَاسَهَا وَتُرَبِّي أَطْفَالَهَا مُرْتَكِزَةً فِي ذَلِكَ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْقَصَصِ الشَّعْبِيِّ الَّذِي يَتَخَرَّجُ مِنْ فَمِهَا جَمَالاً وَمُتْعَةً وَحِكَماً شَكَّلَتْ مَنَارَةً يُهْتَدَى بِهَا..
إلَى ذَلِكَ اِسْتَطَاعَتِ الْكَاتِبَةُ أَنْ تَمْتَلِكَ نَاصِيَةَ اللُّغَةِ فَطَوَّعَتْهَا لِكِتَابَةِ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ الشَّعْبِيَّةِ فَهِيَ سَلِيلَةُ الْقَبَائِلِ الْمُرَابِطِينَ الَّذِينَ عُرِفُوا بِحُبِّهِمْ لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَتَفَوُّقِهِمْ فِيهَا فَهُمْ قَوْمٌ تَضَلَّعُوا مِنْ هَذِهِ اللُّغَةِ فَهُمْ إِمَّا قُضَاةٌ أَوْ أَسَاتِذَةُ أَدَبٍ وَلُغَةٍ أَوْ أَئِمَّةٌ وَعُلَمَاءُ.. وَكُلُّ شَيْءٍ بِالْمَنْشَإ كَمَا يَقُولُ الْجَاحِظُ. تَمَيَّزَتِ الْكَاتِبَةُ بِخَيَالٍ شَاسِعٍ وَذَاكِرَةٍ قَوِيَّةٍ جَعَلَتْهَا تَحْتَفِظُ بِأَدَقِّ التَّفَاصِيلِ يَنْضَافُ إِلَى ذَلِكَ أُسْلُوبٌ رَائِعٌ ولُغَةٌ مُتَمَاسِكَةٌ وَنَصٌّ مَحْبُوكٌ.. يَتَنَزَّلُ كُلُّ ذَلِكَ فِي عَالَمٍ قَصَصِيٍّ عَجِيبٍ وَغَرِيبٍ وَمُمْتِعٍ.. هَذِهِ الأَسْبَابُ غَيْرُ الْمُبَاشِرَةِ الَّتِي مَثَّلَتْ سَنَداً لِمَشْرُوعِ الْكِتَابَةِ وَالتَّدْوِينِ فِيمَا بَعْدُ..
فِي هَذَا الْجَوِّ نَشَأَتِ الْكَاتِبَةُ وَنَمَتْ وَتَرَعْرَعَتْ وَكَبُرَتْ وَتَشَبَّعَتْ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الأَدَبِ.. وَأَمَّا عَنِ الأَسْبَابِ الْمُبَاشِرَةِ وَرَاءَ اهْتِمَامِهَا بِجَمْعِ هَذَا التُّرَاثِ فَقَدْ كَانَ لِسَفَرِهَا إِلَى فِرَنْسَا وَاسْتِقْرَارِهَا بِبَارِيسَ وَدِرَاسَتِهَا لِلْفَارِسِيَّةِ حَيْثُ كَانَ أُسْتَاذُهَا يُشَجِّعُهَا دَائِماً عَلَى تَدْوِينِ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ الَّتِي (أُعْجِبَ بِهَا). فَقَدْ وَجَدَ فِيهَا تَقَارُباً عَجِيباً بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَثِيلاَتِهَا فِي اللُّغَةِ الْفَارِسِيَّةِ..
تَوَلَّتِ الْكَاتِبَةُ تَدْرِيسَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي بَارِيسَ وَكانَتْ تَسْتَشْهِدُ فِي دُرُوسِهَا بِهَذِهِ الْقِصَصِ وَهَذِهِ الْحِكَايَاتِ الَّتِي طَالَمَا اسْتَعْذَبَهَا طَلَبَتُهَا وَاسْتَفَادُوا مِنْهَا مِمَّا جَعَلَهُمْ يُشِيرُونَ عَلَيْهَا بِتَدْوِينِهَا. مِنْ هُنَا اسْتَوَى مَشْرُوعُ التَّدْوِينِ وَالِكِتَابَةِ عَلَى سُوقِهِ بَدْءاً بِتَدْوِينِ “حِكَايَاتِ جَدَّتِي” وَتَثْنِيَةً بِهَذِهِ الْمَجْمُوعَةِ الَّتِي تَتَنَزَّلُ فِي سِيَاقِ سِلْسِلَةٍ كَامِلَةٍ لِلأَطْفَالِ..
وَجَدِيرٌ بِالذِّكْرِ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَصَ هِيَ فِي ظَاهِرِهَا مُوَجَّهَةٌ لِلصِّغَارِ وَلَكِنْ فِي بَاطِنِهَا هِيَ مُوَجَّهَةٌ لِلْكِبَارِ أَيْضاً وَالْكُلُّ مِنَ الْجِيلَيْنِ يَجِدُ فِيهَا مُتْعَتَهُ الْخَاصَّةَ..
تَقْدِيمُ الْمَجْمُوعَةِ الْقَصَصِيَّةِ:
هَذِهِ الْمَجْمُوعَةُ الْقَصَصِيَّةُ مُسْتَوْحَاةٌ مِنَ التُّرَاثِ الْمَغَارِبِيِّ وهِيَ مَلِيئَةٌ بِالْعِبَرِ وَالْمَوَاعِظِ وْالْكَرَمِ وَالْوَفَاءِ وَالنَّصِيحَةِ وَإِنَّنَا بِهَذِهِ الْمَجْمُوعَةِ الأُولَى الَّتِي تَتَكَوَّنُ مِنْ خَمْسِ حِكَايَاتٍ نَتَوَجَّهُ بِهَا إِلَى أَطْفَالِ فِرَنْسَا حَتَّى تَكُونَ لَهُمْ فِكْرَةٌ عَنِ التُّرَاثِ الشَّعْبِيِّ الْمَغَارِبِيِّ كَمَا نُرِيدُ أَنْ نَدْعُوَهُمْ إِلَى الْقِرَاءَةِ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَيْسَ هُنَاكَ أَفْضَلُ مِنَ الْمُطَالَعَةِ فِي تَنْمِيَةِ الزَّادِ اللُّغَوِيِّ لأَطْفَالِ فِرَنْسَا الْمُنْحَدِرِينَ مِنْ أُصُولٍ عَرَبِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَهُمْ رَغْبَةٌ فِي تَعَلُّمِ هَذِهِ اللُّغَةِ..
تَتَجَلَّى فِي هَذِهِ الْقِصَصِ الشَّعْبِيَّةِ غَايَتَانِ هُمَا الْمُتْعَةُ مِنْ خِلاَلِ تَتَبُّعِ الأَحْدَاثِ وَالتَّشْوِيقِ، وَالْوَعْظُ وَالإرْشَادُ غَيْرُ الْمُبَاشِرِ لِتَصْحِيحِ أَخْطَاءِ النَّاسِ دُونَ جَرْحِهِمْ أَوْ تَعْزِيرِهِمْ أَوْ لِلتَّوْجِيهِ إِلَى مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ وَنُبْلِ الصِّفَاتِ أَوِ التَّنْبِيهِ إِلَى مَكْرُمَةٍ أَوْ النَّهْيِ عَنْ مَفْسَدَةٍ أَوِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْفِرَاسَةِ وَالْفِطْنَةِ؛ وَبِبَسَاطَةٍ، تُشَكِّلُ هَذِهِ الْحِكَايَاتُ مَوْقِفاً مِنَ الْحَيَاةِ وَاخْتِبَاراً لَهَا فَهِيَ صُوَرٌ مِنَ الْحَيَاةِ وَمَشَاهِدُ مِنْهَا مُنْتَقَاةٌ بِكُلِّ خِبْرَةٍ وَدِرَايَةٍ وَفَنٍّ وَإِنَّ الْكَاتِبَةَ رُغْمَ أَنَّهَا تَنْقُلُ لَنَا مَا سَمِعَتْهُ إلاَّ أَنَّنَا نُحِسُّ أَنَّ الأَحْدَاثَ قَدِ اخْتَمَرَتْ كَثِيراً فِي وِجْدَانِهَا وَلَمَّا اخْتَمَرَتْ اِكْتَمَلَتْ مَعَهَا الْمَشَاهِدُ الْمُؤَسِّسَةُ لِعَالَمِهَا الْقَصَصِيِّ فَجَاءَتِ الْمَجْمُوعَةُ عَمَلاً إبِدَاعِيّاً مُمَيَّزاً أَحَاطَ بِالتَّفَاصِيلِ وَبِتَفَاصِيلِ التَّفَاصِيلِ..
إنَّ الْكَاتِبَةَ وَعَبْرَ إعَادَةِ صِيَاغَةِ هَذَا التُّرَاثِ اِنْتَشَلَتْهُ أَوَّلاً مِنَ الْمَوْتِ ثُمَّ أَصْبَغَتْ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهَا ثُمَّ أَخْرَجَتْهُ فِي أَحْسَنِ لَبُوسٍ وَعَلَى أَجْمَلِ وَجْهٍ وَهَذَا لَعَمْرِي مَا يُمَيِّزُ أَدِيباً عَنْ أَدِيبٍ وَالَّذِي يُمَيِّزُ كَاتِبَتَنَا أَنَّهَا لَمْ تَتَوَقَّفْ عِنْدَ تَدْوِينِ مَا سَمِعَتْ بَلْ إنَّنَا نَرَاهَا تَقْرَأُ مُعْظَمَ مَا يُكْتَبُ عَنِ الأَدَبِ الشَّعْبِيِّ الْعَالَمِيِّ وَالْقُطْرِيِّ وَبِذَلِكَ جَمَعَتْ بَيْنَ إبْدَاعِ الأَدِيبِ وَدِقَّةِ الْمُصَوِّرِ وَجِرَاحَةِ النَّاقِدِ..
ومَا تَمَيَّزَتْ بِهِ الْكَاتِبَةُ أَيْضاً هُوَ أَنَّكَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ الْقِصَّةَ تِلْوَ الْقِصَّةِ تَرَاكَ لاَ تَقْرَأُ بَلْ إنَّكَ تُشَاهِدُ الأَحْدَاثَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَهِيَ تَتَقَدَّمُ وَتَتَعَقَّدُ وَتَنْفَرِجُ وَهُنَا حَقّاً تَجَسَّدَتْ قُدْرَتُهَا فِي الْتِقَاطِ كُلِّ مُكَوِّنَاتِ الْمَشْهَدِ.. الْمَشْهَدِ تِلْوَ الْمَشْهَدِ وَالصُّورَةِ تِلْوَ الصُّورَةِ فِي تَنَاسُقٍ مُسْتَمِرٍّ فَلاَ تَتَوَقَّفُ عَنِ الْقِرَاءَةِ إِلاَّ مَتَى أَتْمَمْتَ الْحِكَايَةَ.. إنَّهُ التَّعَامُلُ الْفِطْرِيُّ مَعَ هَذَا النَّمَطِ الْعَفْوِيِّ مِنَ الْقَصَصِ فِي ضَوْءِ فِكْرٍ وَاعٍ وَأَسَالِيبَ فَنِّيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَنُمُّ عَنِ امْتِلاَكٍ كَامِلٍ لأَدَوَاتِهَا الْقَصَصِيَّةِ.. إنَّنَا أَمَامَ قَاصَّةٍ مُتَمَرِّسَةٍ فِي كِتَابَةِ الْقِصَّةِ الشَّعْبِيَّةِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْقَلاَئِلِ فِي عَالَمِنَا الْعَرَبِيِّ مِمَّنْ لَهُمْ بَاعٌ فِي إبْدَاعِ هَذَا الْفَنِّ لأَنَّ كِتَابَةَ الْقِصَّةِ الشَّعْبِيَّةِ لَيْسَتْ مِنَ السُّهُولَةِ بِمَكَانٍ فَأَنْتَ مُطَالَبٌ بِالتَّبْسِيطِ دُونَ الإسْفَافِ وَبِالتَّعْقِيدِ دُونَ الإبْهَامِ وَبِالإيجَازِ دُونَ الْخَلَلِ وَبِالتَّشْوِيقِ دُونَ الإطْنَابِ..
تَجِدُ ذَلِكَ في قِصَّةِ “يَوْمَ أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ فُولاً” أَوْ فِي “الْقِرْدُ وَالصَّيَّادُ” أَوِ “الْغَبِيَّانِ” أَوِ “الْحَطَّابُ” أَوِ “حِكَايَةُ أُمِّ سِيسِي”. إنَّهَا مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْحِكَايَاتِ نَتَوَجَّهُ بِهَا لِلصِّغَارِ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ لِلْكِبَارِ وهِيَ فُرْصَةٌ نَضَعُهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لِمَعْرِفَةِ بَعْضٍ مِنْ كُنُوزِ هَذَا الْقَصَصِ الشَّعْبِيِّ وَمُعَايَشَةِ أَجْوَائِهِ الْخَيَالِيَّةِ الْجَذَّابَةِ والسَّاحِرَةِ الطَّرِيفَةِ فَالأَدَبُ الشَّعْبِيُّ يَبْقَى أُسْلُوباً مِنْ بَيْنِ الْكَثِيرِ مِنَ الأَسَالِيبِ الَّتِي نَسْتَنِدُ عَلَيْهَا فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْوَاقِعِ الإنْسَانِيِّ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِينَا وَنَتَأَثَّرُ بِهِ فِي كُلِّ أَبْعَادِنَا النَّفْسِيَّةِ والاِجْتِمَاعِيَّةِ والثَّقَافِيَّةِ والسِّيَاسِيَّةِ ..
وعَبْرَ هَذِهِ الْمَجْمُوعَةِ الْقَصَصِيَّةِ تَلِجُ بِنَا الْكَاتِبَةُ إِلَى عَالَمِ الْغَرِيبِ والْعَجِيبِ تُطْرِبُنَا وتُمْتِعُنَا وتُسَلِّينَا وتُفِيدُنَا عَبْرَ قِصَصٍ كُلُّهَا تَكْثِيفٌ وإيجَازٌ وتَنَافُرٌ ومُفَارَقَاتٌ ومُبَالَغَاتٌ وانْتِقَالٌ إلَى عالَمِ الْغَرَابَةِ وَالاِسْتِحاَلَةِ فِي فُكَاهَةٍ وإضْحَاكٍ ودُعَابَةٍ..
وفِي الأَخِيرِ نُذَكِّرُ قُرَّاءَنا الْكِرَامَ أَنَّ هَذِهِ الْمَجْمُوعَةَ الْقَصَصِيَّةَ تَتَنَزَّلُ دَاخِلَ سِلْسِلَةٍ قَصَصِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ نَعِدُكُمْ بِمُوَاصَلَةِ نَشْرِ حَلَقَاتِهَا..