مايو, 2009

مايو 28th, 2009

وماذا بَعْدَ الصِّراطِ ؟

وماذا بَعْدَ الصِّراطِ ؟

نَجْمَةُ سَيِّدُ أَحْمَدُ

 

 

رَوَتِ الْعَجُوزُ قالَتْ:

- جَلَسَتِ الْخالَةُ مُبارَكَةُ بَلْعَيْفَةُ إزائيَ في هُدُوءٍ. كانَتْ بَلْعَيْفَةُ خادِماً عِنْدَ جَدِّكِ سِنِينَ طَوِيلَةً ثُمَّ كَبُرَتْ وشابَتْ ومَهْماً كَفَّتْ خَدَماتُها وحَبَسَتْ فإنَّها ظَلَّتْ تَزُورُنا مِنْ فِينَةٍ إلى أُخْرَى.

أَقْبَلَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ وقَدْ تَسَرْبَلَتْ وَقاراً أَشَدَّ مِنْ الّذي تَلُفُّ فِيهِ الْفَلاَّحاتُ أَنْفُسَهُنَّ عادَةً. 

نَظَرْتُ إلَيْها مَلِيحاً فَإذا إحْساسٌ غَرِيبٌ، غامِضٌ يُشْعِرُنِي بِأَنَّ شَيْئاً ذا بالٍ يُثْقِلُ فُؤادَها وأَنَّها لَنْ تُطِيلَ فَتَبُثَّهُ إلَيَّ.

وانْفَرَجَتْ شَفَتاها أَخِيراً فَهَمَسَتْ:

“- حَلَمْتُ يا أُخْتِي الْبارِحَةَ حُلْماً غَرِيباً أَبْغِي أَنْ أَحْكِيَهُ لَكِ. إنَّما جِئْتُ لأَحْكِيَهُ لَكِ.

 وكانَتْ جَدَّتُكِ مَعَنا وهِيَ قَدْ تَشْهَدُ، رُغْمَ تَقَدُّمِ السِّنِّ بِها، على كَلامِيَ الآنَ قالَتْ الْخالَةُ مُبارَكَةُ:

- رَأَيْتُنِي أَمْسِ وكَأَنَّنِي عِنْدَ قَنْطَرَةٍ طَوِيلَةٍ كُلَّ الْطُّولِ حَتَّى أَنَّ الْعَيْنَ لا تَخْطِفُ نِهايَتَها. يَبْدُو لِي أَنَّ تِلْكَ الْقَنْطَرَةَ كانَتْ هُنا بِمَضْرِبِ جِسْرِنا في حَمَّامِ قَرْقُورٍ[1]أَوْ رُبَّما أَيْضاً بِمَكانٍ آخَرَعلى كُلِّ حالٍ لا يُهِمُّ هَذا كَثِيراً. بَلِ الأَهَمُّ أَنَّ ذَلِكَ الصَّرْحَ كانَ ضَيِّقاً شَدِيدَ الضِّيقِ. ولِفَرَطِ ضِيقِهِ، كانَ لِزامٌ على الْمَرْءِ أَنْ يَمْرُقَ عَنْهُ وهُوَ على الْجَنْبِ، يَخْطُو بِقَدَمٍ واحِدَةٍ، مُقْبِلاً على هَدَفِهِ بِكَتِفِهِ.

ومَعَ ذَلِكَ فإنَّ خَلْقاً جَمّاً، غَفِيراً كانَ يَجُوزُ عَنْ تِلْكَ السَّبِيلِ الْعَجِيبَةِ. ومَثَلَتْ قُدَّامِيَ امْرَأَةٌ غَرِيبَةٌ أَمَرَتْنِي بِالنَّفاذِ فَعارَضْتُ مُتَشَجِّعَةً:

- أَبَداً لَنْ أَمُرَّ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ الرَّهِيبَةِ وَأَنا أَخْشَى الْوُقُوعَ!

أَلَحَّتْ بِحَزْمٍ:

- بَلْ سَتَمُرِّينَ لا مَحالَةَ!

فَحَمَلْتُ طِفْلِي ولَفَفْتُ نَفْسِيَ في جَلُّولٍ[2] كانَ، بَيْنَ أُولئكَ الْقَوْمِ، كُلَّ سُتْرَتِي ثُمَّ مَضَيْتُ على الْقَنْطَرَةِ، أَسِيرُ كَما يَسِيرُ الْخَلْقُ بِرِجْلٍ واحِدَةٍ.

وبَعْدَ مِشْوارٍ بَدَا لِي مُمْتَدّاً غايَةً، بَلَغْتُ مُخْرَجَ الْقَنْطَرَةِ الْعَجِيبَةِ وخَلَصْتُ إلى عالَمٍ لَمْ أَكُنْ أَشُكُّ في وُجُودِهِ قَبْلُ.

ويا أُخَيَّةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ! أَوَّلُ ما قابَلَنِي عِنْدَ مَنْفَذِ ذَلِكَ الْجِسْرِ، كائنٌ ما أَدْرِي أَ امْرَأَةٌ هُوَ أَمْ رَجُلٌ. على أَنَّهُ كانَ يَرْفَعُ يَدَهُ عالِياً، عالِياً لِيَتَناوَلَ شَيْئاً ما فَوْقَ رَأْسِهِ ولَكِنَّهُ لا يُمْسِكُهُ فَتَعُودُ يَدُهُ شاغِرَةً فَيَطْرَحُها بِعُنْفٍ فَتَغُورُ في فَراغٍ. وكَذَلِكَ دَوالَيْكِ كَفُّهُ كَدُولابِ بَعْضِ الآلاتِ الْحَدِيثَةِ لا تَرِيمُ فَسَأَلْتُهُ دَهِشَةً:

- أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِرَبِّي والنَّبِيِّ إلاَّ شَرَحْتَ لَي شَأْنَكَ أَيُّها الْحَيُّ!

تَفَوَّهَ:

- أَنا امْرُؤٌ كانَ في دُنْياهُ يَتَصَدَّقُ بَيَدِهِ ويَأْخُذُ بِلِسانِهِ. فَصِرْتُ في آخِرَتِي لا تَبْلُغُ راحَتِي شَيْئاً مِمَّ هُوَ فَوْقَ رَأْسِي! إنَّما تَكُونُ الصَّدَقَةُ في الدُّنْيا بِالْحُسْنَى. وأَنا كُنْتُ أَمُنُّ على ابْنِ آدَمَ وأُؤْذِيهِ بِالذِّكْرَى فَانْقَلَبْتُ إلى الدَّارِ الدَّائِمَةِ صِفْرَ اليَدَيْنِ.”

صَمَتَتِ الْخالَةُ مُبارَكَةُ بَلْعَيْفَةُ سانِحَةً كَأَنَّها تَلْتَقِطُ أَنْفاسَها ثُمَ أَرْدَفَتْ بِصَوْتٍ أَجَشَّ:

“- تَخَلَّيْتُ عَنْ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ الأَرِيبِ وعَدَّيْتُ إلى ما وَراءَهُ فَصادَفَتْنِي امْرَأَةٌ عارِيَةٌ كُلِّيّاً تَجْلِسُ على قَبْرٍ فَاسْتَدْرَجْتُها مَفْجُوعَةً:

- أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ بِرَبِّي والنَّبِيِّ إلاَّ وَضَّحْتِ لِي شَأْنَكِ يا وَلِيَّةُ تَقْعُدِينَ على هَذا الْقَبْرِ عارِيَةً بِلا حَياءٍ؟

أَجابَتْ بِصَوْتٍ رَتِيبٍ:

- اِعْلَمِي أَنِّي كُنْتُ في دُنْيايَ زَوْجَ قائدٍ. وهَذِهِ رُزْمَةُ ثِيابِي عِنْدَ قَدَمَيْكِ تَرَيْنَها. ولَكِنَّ أَحَداً لا يُمِدُّنِي بِها وأَحَداً لَنْ يُقَرِّبَها مِنِّي مَعَ أَنَّ يَدِي لا تَبْلُغُها أَبَداً!”

تَنَهَّدَتِ الْخالَةُ مُبارَكَةُ فَجَرَضَتْ رَيِقَها في غُصَّةٍ مَسْمُوعَةٍ مَعَ أَنَّ شَفَتَيْها أَبَداً جافَّتَانِ بَيْضاوانِ، على وَجْهٍ أَسْمَرَ أَحْرَقَتْهُ شَمْسُ الْحُقُولِ ثُمَّ اسْتَمَرَّتْ:

“- وبَيْنَما أنا كَذَلِكَ أُحاوِلُ جَمْعَ شَتاتَ عَقْلِي الْمُتَبَدِّدَ بَيْنَ تِلْكَ الْمَناظِرِ الْمُرْعِبَةِ ؛ أَحارُ في مَشاهِدَ أُدْرِكُ يَقِيناً أَنَّ خَيالِي عاجِزٌ عَنْ تَصْوِيرِ مِثْلِها رُغْمَ نَشْأَتِي بَيْنَ النَّجْذامِ وسَلاَّلِ الْقُلُوبِ[3]؛ إذا صَوْتُ حُرْمَةٍ يَدْعُونِي مِنْ خَلْفٍ أَنْ أَقْبِلِي على بَيْتِكِ فَانْظُرِي ما فِيهِ!

فَوَلَجْتُهُ أُقَلِّبُ نَظَرِي في أَرْجائهِ فإذا مُجْمَلُ ما بِهِ كُمْشَةُ قَهْوَةٍ وأَرْبَعُ رُمَّاناتٍ. وَسُرْعانَ ما أقْبَلَتْ عَلَيَّ تِلْكَ الْمَرْأَةُ فَبادَرَتْ:

- أَ ما عِنْدَكِ شَيْءٌ تَرْتَدِينَهُ؟

قُلْتُ:

-كَلاَّ يا لالاَّ الأُخَيَّةُ! ما أَنا سِوَى أَرْمَلَةٍ وذاتِ أَيْتامٍ وما أَذْكُرُ أَنَّنِي مَلَكْتُ يَوْماً جُبَّتَيْنِ على بَعْضٍ!

زَفَرَتِ الْمَخْلُوقَةُ:

- إذَنْ فَامْكُثِي كَذا عُرْيانَةً!

قالَتِ الْعَجُوزُ:

- واسْتَمَرَّتِ الْخالَةُ مُبارَكَةُ بَلْعَيْفَةُ تَصِفُ حُلْمَها بِصَوْتِها الرَّتِيبِ. لا يَتَحَرَّكُ هُدْبٌ مِنْ أَهْدابِ عَيْنَيْها الْواسِعَتَيْنِ ولا يَرْتَعِشُ أُخْدُودٌ مِنْ أَخادِيدِ وَجْهِها الْمُغْلَقِ كَأَنَّ الأَحاسِيسَ جُلَّها مُسِحَتْ عَنْهُ بِكَفٍّ مَخْفِيَّةٍ كَما تُمْسَحُ السُّبُّورَةُ بِالإسْفَنْجَةِ فَتَلَفَّظَتْ:

-”وأَفَقْتُ مِنْ حُلْمِي. وأَدْرَكْتُ أَنَّ اللهَ قَدْ فَسَخَ ما بَيْنِي وبَيْنَ عالَمِ الْغَيْبِ مِنْ حِجابِ الآخِرَةِ فَزُرْتُ ما بَعْدَ الصِّراطِ حَتَّى أَتَّعِظَ في دُنْيايَ ما دامَتِ الْمَوْعِظَةُ ما تَزالُ تَبْلُغُنِي فائدَتُها. ولِكَيْ أَصْنَعَ لِي زاداً أَحْمِلُهُ مَعِيَ عَوِيناً في تِلْكَ السَّفْرَةِ الْوَعْرَةِ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوانِ.

وذَكَرْتُ أَنَّ ذَلِكَ الْجَلُّولَ الّذي وَارَيْتُ بِهِ عَوْرَتِي عَلى الْجِسْرِ هُوَ ذَلِكَ عَيْنُهُ الّذي وَهَبْتُهُ، ذاتَ يَوْمٍ، في حَمَّامِ سَيِّدِي الْجُودِيِّ بَلْحاجٍ، عَجُوزاً جاءَتْ تَغْتَسِلُ فِيهِ ثُمَّ نَدَرَتْ مِنْ بَيْنِ مِياهِهِ السَّاخِناتِ فَبَلَغَ مِنْها الْبَرْدُ كُلَّ مَبْلَغٍ فَما كانَ مِنِّي إلاَّ أَنْ خَلَعْتُ مِرْطِي عَنْ رَأْسِي وأَلْقَيْتُهُ على كَتِفَيْ الْمِسْكِينَةِ فَدَفِئَتْ بِهِ.  

وأَمَّا تِلْكَ الْقَهْوَةُ فَمِنْ عامِ الْقَحْطِ[4]. وكانَتِ الْحُكُومَةُ تُعْطِينا، مِنْ بَيْنِ ما تُوَزِّعُهُ عَلَيْنا بِالْجِرايَةِ، الْبُنَّ.  ولَمَّا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ لَهُ ماهِيَةً ولا اسْتِعْمالاً فإنِّي كُنْتُ أَتَخَلَّى عَنْهُ لِلنَّاسِ.

وأَمَّا الرُّمَّاناتُ الأَرْبَعُ فَإنَّ وادِي السَّبْتِ[5]هَذا كانَ جُلُّهُ ضِياعاً وبِحَراً في أَيْدِي الْيَهُودِ. وإنَّهُمْ كانُوا يَسْتَأْجِرُونَ خِدْماتِي كَما يَفْعَلُونَ مَعَ بَنِي جِنْسِي، فَكُنْتُ أَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ، أَحْرُسُ بَساتِينَهُمْ. وإنَّ أَحَدَ هَؤُلاءِ الْيَهُودِ أَهْدانِي، ذاتَ يَوْمٍ، أَرْبَعَ رُمَّاناتٍ فَوَهَبْتُها بَعْضَ الْمَساكِينِ لَمَحْتُهُ مارّاً تَحْتَ الزَّرْبِ فَإذا بِي أَسْتَخْلِفُها في الآخِرَةِ”.

ثُمَّ أَقْبَلَتْ الْخالَةُ مُبارَكَةُ بَلْعَيْفَةُ على جَدَّتِكِ وخاطَبَتْها:

-”يا اللاَّ[6]زَهْرَةُ. عاهَدْتُ اللهَ عَهْداً صارِماً أَنْ لَوْ مَلَكْتُ جُبَّتَيْنِ لَتَصَدَّقْتُ بِإحْداهُما واحْتَفَظْتُ بِالأُخْرَى. فَإذا اتَّصَلْتُ بِقُرْصِ كِسْرَةٍ لأَتَصَدَّقَنَّ بِنِصْفِهِ وآكُلَ النِّصْفَ الْمُتَبَقِّيَ!”

اِسْتَأْنَفَتِ الرَّاوِيَةُ:

- وأَمْسَكَتِ الْخالَةُ مُبارَكَةُ عَنِ الْكَلامِ. وَطَوَّلَتْ أَوْ قَصَّرَتْ فَالْتَحَقَتْ بِبارِئِها عَلِيِّ الشَّأْنِ فَرَحِمَها بِإذْنِهِ وأَسْكَنَها فَسِيحَ الْجِنانِ وعَوَّضَها عَنِ الْحَيْفِ الّذي لَقِيَتْهُ في دُنْياها بِقَدْرِ ما بَلَغَها مِنْ إيمانٍ صادِقٍ، فِطْرِيٍّ، إنْشاءَ اللهُ.

وأَمَّا أَنا فَإنَّ الرُّؤْيا سَرَتْ فِيَّ سِرْيَ الْبَرْدِ. ثُمَّ هَزَّتْنِي قُشَعْرِيرَةٌ ما تَزالُ شُعَيْراتُ بَدَنِي تَنْتَصِبُ لِذِكْراها. وإنَّ كَثِيراً ما نَفَعَتْنِي تَفاصِيلُها.

أَحْلِفُ لَكِ أَنَّنِي ما عُدْتُ، بَعْدَ ذَلِكَ، أَهْتَمُّ لِهَيْئَةِ الدُّنْيا وأَشْيائها الْعابِراتِ. كَما أُوصِيكِ بِكَثْرَةِ التَّصَدُّقِ. فإذا تَصَدَّقْتِ، راعِي أَنْ يَكُونَ ما تَهَبِينَهُ مَخِيطاً نَظِيفاً وأَخْيَرُ لَكِ أَلاَّ يَدْرِيَ أَحَدٌ بِهِ. وهاأنا ذِي بَيْنَ يَدَيْكِ، ما تَعْلَمُ بَناتِي بِما أَتَصَدَّقُ إلاَّ لَماماً.

ثُمَّ يا حَبَّذا لَوْ تَمُدِّينَ ما تَهْوَيْنَ لَبْسَهُ وما تَسْتَطِيبِينَ طَعْمَهُ وما تَبْغِينَ اسْتِبْقاءَهُ. لا تَهَبِي ما تَكْرَهِينَ أَبَداً.

ويا حَبَّذا لَوْ أَنَّكِ تَتَناوَلِينَ ذَلِكَ الْفَسْتانَ وهاذاكَ الْقَمِيصَ فَتُلْبِسِينَهُ بِيَدِكِ الشَّخْصَ الّذي تَتَصَدَّقِينَ بِهِ عَلَيْهِ ولا يُهِمُّكِ أَنْ يُؤُوبَ بَعْدَئذٍ إلى بَيْتِهِ فَيَخْلَعَهُ عَنْهُ.

الْحاصِلُ ماذا نَقُولُ؟ نَقُولُ: فَلْيَرْزُقْنا اللهُ خَيْراً. ولْيَنْفَعْنا بِه. ولْيُعْطِنا ما أَعْطَيْنا.

نُورْمانْدِي في: 10-2-2000م.

  


[1] Hammam Guergour: قَرْيَةٌ في ولاية سطيف.

[2] مِرْطٌ, رِداءٌ خَشِنٌ تَرْتَدِيهِ الْفَلاَّحاتُ.

[3] أَصْلُ النَّجْذامِ لُغَةً: الأَجْذَمُ. ومِنْهُمْ مَنْ يَدْعُوهُ: “سَلاَّلَ الْقُلُوبِ” لأَنَّ التَّصَوُّرَ الشَّعْبِيَّ يَدَّعِي أَنَّ الْمَجْذُومَ لا يَبْرَأُ إلاَّ إذا أَكَلَ سَبْعَةَ قُلُوبٍ صَبِيَّةٍ فَكانَ الْفَلاَّحُونَ يُرْعِبُونَ أَطْفالَهُمْ بِهِ حَتَّى لا يَخْرُجُوا وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ.

[4] سنة 1940م.

[5] دَشْرَةٌ فَِلاحِيَّةٌ قُرْبَ حَمَّام الْقَرْقُورِ.

[6] اخْتِزالُ “لالاَّ”. وهِي لَفْظَةٌ مَحَلِّيَّةٌ لِتَعْظِيمِ النِّساءِ.

مايو 28th, 2009

أبـغـي أن أطـيـر

أبـغـي أن أطـيـر

نَجْمَةُ سَيِّدُ أَحْمَدُ

قالت جدّتي:

ـ أنْصِتي إليّ بُنيّتي أحاورْكِ عن الغرور. أخبرتني أمّي[1] أنّه كان بدشرتنا من بني شَبانة[2] ناسك عابد[3] قد انقطع إلى الرّحمان سبعَ سنينَ حُسوما وانزوى في كهف غيرِ بعيد عن الدُّوّار، في ( ثازْروت[4] أبي حازم)[5]، يُسيل أيّامَه مُنفردا، متأملا في مَلكوت اللهِ، مُعْجَبا بِسُلْطانِه، خاضعا لِجَبَرُوته وكان، مساءَ كلّ يوم، يأتيه طبقُ كُسْكُسٍ وقطعةُ لحم تضعهما الملائكة بين يَدَيْهِ، جزاءً له على صيامه وتَبَتُّلِه.

ومضت الأيّام يَتَقَفّى بعضُها إثرَ بعض والشّيخ العَفِيفُ مُنْعَزِلٌ في خَلْوَتِه، لا أحد  يُؤانس وَحشتَه في كهفِه ذاك.

ذات يوم، لحِق بالنّاسكِ رجلٌ من قريتنا واسْتَأْذَنه في أن يتعبّد بِرُفْقَته ويَسْتَقِرّ معه في مَلْجئه فَرَضِيَ الزّاهِدُ العابِد.

وقَضَيا نهارَهما التّالي صائميْن يصلِّيان ويَبْتَهلان مُتضرِّعيْن ثمّ لمّا غابت الشّمسُ وراءَ حِجاب الأصيل، طَرَحَ الملائكةُ أمامَهما طبقيْ كُسْكُسٍ وقِطْعَتيْ لحم يُفطِران فَأَكَلا ثمّ إنّ العابدَ الجديدَ قال للنّاسك مُسْتَضِيفِهِ:

ـ الآن وقد غدوتُ من أولِياء اللهِ الصّالحين فإنّي أبغي أن أطير ماذا قلتَ؟

دُهش الشّيخُ العَفِيفُ وأجاب:

ـ أرى أن تَصْبِرَ قليلا يا أخي فإنّك لا زلتَ غَضّا، طَرِيّا وإنّي لا أراكَ وُهِبتَ بعدُ القُدرةَ على الطّيران فَاهْدَأْ بعضَ الوقت حتّى يشتدّ عُودُك لعلّ اللهَ يَقْبَلُ منك.

على أنّ الوافِد ألحّ وقال:

ـ بل أراني قد استويْت وإنّي أبغي أن أطير!

قال وَلِيُّ الله:

ـ ألا ترى أنّك تَعْجَلُ بعضَ العجلة؟ وأنّك تَشْتَطُّ على اللهِ  وعلى نفسك بعضَ الشَّطَط؟ فكأنّي بك تريد أن تَخْرِقَ الحُجُب لِيَوْم من عُمُرِك أَقْرَضْتَهُ اللهَ أوكأنّي بِكَ تُرِيدُ أن تَعْتَدَّ وتَمْتَنَّ بينما لا عِبْرَةَ لِتَصَرُّفِك وأنت بَعْدُ تِلْمِيذٌ في زاوِية الرّحمان

فقاطعه المبتدئ وقال:

ـ بل إنّي أبغي أن أطير ولقد قُلْتُها ولن أَعود!

سئم الشّيخُ الحكيم من جِداله وقال له:

ـ فإذاً طِرْ!

وتسلّق الرّجل الغِرُّ هضبةَ أبي حازم حيث ضرب اللهُ الغارَ الّذي أوى إليه النّاسكُ ثمّ أَلقى بِنَفْسِه من أعلاها كأنّه يطير بعد أن بَسَطَ ذِراعيْه كالْجَناحَيْن وما كان منه إلاّ أنِ انْبَطَحَ على الحَضِيض وقد هُرِّست ضُلوعُه.


[1] هي عائشة بنت محمّد الشَّريف الشُّرَفاءِ.

[2] قرية جدّتي في القبائل الصّغرى.

[3] اسمه سي الرّبيع.

[4] ثازْروت: كلمة بربريّة تعني ( الهضبة ولعلّها من الذّرَّة).

[5] اسم المكان الّذي انقطع به النّاسك.

مايو 24th, 2009

الْمَقامَةُ النْيُوزِلَنْدِيَّةُ

الْمَقامَةُ النْيُوزِلَنْدِيَّةُ

عبد الحفيظ خميري

حَدَّثَنا عَبْدُ السَّلامِ: كُنْتُ بِنْيُوزِلَنْدَا أَذْبَحُ الْخِرْفانْ وانْيُوزِلَنْدَا بِلادُ الْكَنْغَرِ والأَرَانِبِ والْفِئْرانْ

وقَدْ كانَ مَعِي الشَّيْخُ كَمَالٌ الّذِي زَارَ كُلَّ الْخُلْجَانْ. كُنَّا وبَعْضَ الإخْوَةِ قَدْ ضَمَّنَا الاِسْتِقْرَارْ

بَعْدَ أَنْ خَسِرْنا الْحَرْبَ وطَلَبْنَا مَعَ مَنْ طَلَبَ الْفِرارْ. نَفِرُّ مِنْ جَهَنَّمَ عَلى رَأْسِها مَقْلُوبَهْ وعلى وَجْهِها مَصْلُوبَهْ. أَرْضٌ بَعِيدَهْ عَنْ أَوْطَانِنَا يَلْزَمُ ثَلاثِينَ ساعَهْ ونَحْنُ مَعَلَّقُونَ بَيْنَ الأَرْضِ والسَّمَاءْ حَيَارَى مِنْ مِحْنَةٍ لَيْسَ لَها مَثَلٌ فِي تَاريخِ الْخَضْراءْ..

نَفِرُّ مِنْ حُكْمٍ مُسْتَبِدٍّ كانَتْ مِنْ قَبْلِهِ النُّفُوسُ خَضْراءْ فَغَدَتْ مِنْ سَطْوَتِهِ صَفْرَاءْ. وتَرَكْنَا الْوَطَنَ السَّقِيمْ..أَحَرارُهُ بَيْنَ الْمَنَافِي والسُّجُونْ.. وتَرَبَّعَتِ الْمَقاهِي في كُلِّ الْبِلادِ تَجْمَعُ الشَّيْخَ والشَّابَّ والْغُلامَ وتَقْرَأُ الْفاتِحَةَ عَلى الْقِيرَوَانِ والزَّيْتُونَةِ وغَدَتِ الْبِلادُ في عَهْدِها الْجَدِيدِ وزَمَنِها السَّعِيدِ عاصِمَةً لِلْفُنُونِ وحَبُوبَهْ بِالصَّوْتِ يُغَنِّي: هَلِ الْكَمُّونْ مْنِينْ يا نانا..

وَوَزِيرُ الدَّاخِلِيَّةِ وفُرْسانُهُ الشُّجْعانُ قَدْ كَشَفُوا الْخَلِيَّةَ مِنْ تَطاوِينَ لِقابِسَ لِلْقَصْرَيْنِ لِلْمَهْدِيَّهْ..وعَلَيْهِ فَالْوَيْلُ لِلْخَوَنْجِيَّهْ والْوَيْلُ لِمَنْ ساعَدَهُمْ بِشَرْبَةِ مَيَّهْ أَوْ بِحَجَرَةِ صابُونٍ وكِيلُو وَمْيا..

وفُتِحَتِ الْمِلَفَّاتْ وفُتِّشَتِ الْحافِلاتْ وتَوَقَّفَتِ التَّاكْسِياتْ وفي الْمَحاكِمِ رُفِعَتْ أَلْفُ قَضِيَّهْ ضِدَّ الْخَوَنْجِيَّهْ أَعْدَاءِ الْمَدَنِيَّهْ وأَعْدَاءِ الدِّيمُوقْراطِيَّهْ..وصَبَّ الْيَسارُ الْبَنْزِينَ في النَّارْ واشْتَعَلَتِ الْحَمْلَةُ مِنَ الْيَمِينِ والْيَسارْ في التَّلْفَزَةِ وكُلِّ الصُّحُفِ مِنْ نَشْرَةِ الأَخْبارْ إلى بَرْنامَجِ الْمِنْظَارْ

والصَّباحِ والشُّرُوقِ صَبْحَةً وعَشِيَّهْ: الْوَيْلُ لِلْخُونْجِيَّهْ وكُلِّ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جِمَاعَهْ..

وتَسَمَّرَتْ في الشَّارِعِ بَدَلَ الصَّنَمِ ساعَهْ تَدُورُ فِي رَشاقهْ: يَحْيَ الزَّعِيمْ.. يَحْيَ السَّيِّدُ الْهُمامُ مَنْ أَنْقَذَ الْبِلادَ مِنَ الشِّرْذِمَةِ الضَّالَةِ مِنْ أَتْباعِ الْغَنُّوشِيِّ وكَرْكَرْ.. وجَفَّتِ الأَمْطارْ وحَلَّتِ الْمَجاعَهْ هَكَذا ما يَزَالُ يَتَذَكَّرُ سِي عَبْدُ السَّلامِ أَيَّامَ زَمانْ..

ولَمَّا وَصَلْنا الدِّيارَ النْيُوزِلَنْدِيَّهْ قَدَّمْنا اللُّجُوءَ وتَنَفَّسْنا الصُّعَدَاءَ ومَسَّنا بَعْضٌ مِنَ الْهُدوءْ في هَذِهِ الْمُرُوجِ الْخَضْراءْ وقُدِّمَتْ إلَيْنا قِطَعُ اللَّحْمِ مَشْوِيَّهْ لَذِيذَةً طَرِيَّهْ.. وانيُوزِلَنْدَا بِلادُ اللُّحُومِ والشُّحُومْ، وكُنْتَ إذا رَأَيْتَ الْمُصَلِّيَ تُغازِلُهُ أَلْسِنَةُ النَّارْ غادَرَكَ الْوَقارْ وقَدْ شُفِيتَ مِنْ كُلِّ الْهُمُومِ والْغُمُومْ وأَنْتَ تُرَدِّدُ:

ـ “وَيْلِي مِنَ اللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ ويا مَرْحَباً وسَهْلاً بِالأَرَانِبِ وَالْكَنْغَرْ!”

لَحْمٌ مَشْوِيّ وفُلْفُلٌ مَقْلِيّ بَعْدَ سَنَوَاتِ الْمَجاعَهْ وتَرْكِ الْخِلاَّنِ والْجَماعَهْ يُعِيدُ إلى النَّفْسِ الْوَداعَهْ ويُنْسِيها جِراحَ السَّاعَهْ. لَحْمٌ مَشْوِيّ وشَرابٌ بُرْتُقالِيّ يَشْهَدُ لِلْغَرْبِ بِالصَّدَارَةِ والْحَضارَهْ وقَدِ اسْتَوَى بَيْنَ الرُّفُوفْ.. قَدْ أَسالَ لُعابَ النَّظَّارَةِ بِشَطارَهْ..

أَكَلْنا وشَرِبْنا ونَحْنُ نَشْكُرُ اللهَ على السَّلامَهْ ونَشْهَدُ لِعَلِيٍّ بِالإمامَهْ ولِشَيْخِنا الْغَنُّوشِيِّ بِالزَّعامَهْ ولأَخِينا الْعَجَمِيِّ بِالْوَسامَهْ ونَحْنُ نُصَلِّي نَسْأَلُ اللهَ أنْ يُقِيلَ عَثْرَتَهْ ويَجْمَعَ شَمْلَ أُسْرَتِهْ ويَرْأَبَ تَصَدُّعَ حَرَكَتِهْ…

ولَكِنْ في أَوَّلِ لَيْلَةٍ يا شَبابْ ورُغْمَ الطَّعامِ والشَّرابْ ولَمَّا أَخَذَ اللَّحْمُ الْمَشْوِيُّ مِنَ الْبَطْنِ مَكانَهْ وأَحْكَمَ الْعَصِيرُ عَلى الْمَعِدَةِ حِصارَهْ ما عَرَفَ النُّعاسُ طَرِيقَهُ إلى الْعَيْنِ وقَدْ لَسَعَنِي الْفِراقُ والْبَيْنْ فَخَرَجْتُ وقَدْ أَخْرَجْتُ مِنْ جَيْبِي أَلْفَيْنِ عْمَلَةً انْيُوزِلَنْدِيَّهْ أَتَمَعَّنُ فِيها وأَنا أُرَدِّدُ قَوْلَ الشَّاعِرِ:

وفي الأَرْضِ مَنْأًى لِلْكَرِيمِ عَنِ الأَذَى    وفِيها لِمَنْ خافَ الْقِلَى مُتَحَوَّلُ

ومَرَّتْ ساعاتُ اللَّيْلِ ثَقِيلَهْ وأَعْصابِي تَتَرَنَّحُ عَلِيلَهْ فَقُمْتُ إلى قَصْعَةِ اللَّحْمِ أَرْقُبُها وإلى قَوَارِبِ الذَّاكِرَهْ أَرْكَبُها وأَتَساءَلُ في مَرارَهْ مُخْتَنِقَ الأَنْفاسِ كَأَنَّنِي في مَغارَهْ:

ـ يا عَبْدَ اللهِ الْفَقِيرْ هَلْ أَحْسَنْتَ التَّفْكِيرَ والتًَّدْبِيرْ ؟..ها أَنْتَ تَأْتِي إلى هَذِهِ الرُّبُوعِ سَفِيرْ. اُنْظُرْ إلى أَحْوَالِ الزَّمانْ واعْتِبِرْ وَعَوِّدِ النَّفْسَ على الْفِراقِ واصْطَبِرْ. ها قَدْ هَجَرْنا الْبِلادْ وفارَقْنا الأَكْبادْ ومَضَى في إثْرِهِمُ الْفُؤادُ مُشَيِّعاً وإنِّي لأَذْكُرُهُمْ والدَّمْعُ يَغْلِبُنِي ومَنْ لِي بِنِسْيانِ مُحِبٍّ لا يَنْسانِي.. وَوَالِدٍ كانَ يَرْعانِي.. وخَلِيلٍ كانَ يَدْعُو لِي بِظَهْرِ الْغَيْبِ وهُوَ فِي خَلْوَةٍ مَعَ الرَّحْمانْ..

تَذَكَّرْتُ زَوْجَتِي فَتَحَيَّرْتْ واشْتَقْتُ لِطِفْلِي فَبَكَيْتْ وغَمَرَتْنِي ذِكْرَى إخْوَانِي في سُجُونِهِمْ فَنادَيْتْ:

ـ مَوْلايَ أَمَا تَرَى شُرُودِي في اسْتِقْرارِي؟ أَما تَرَى ثَوْرَتِي في قَرارِي؟ أَما تَرَى حَيْرَتِي في رَقْدَتِي؟ أَمَا تَرَى حُضُورِي في ابْتِعادِي؟ أَمَا تَرَى عَزَائِي في انْفِرادِي؟ مَوْلايَ أَلاَ تَرَى شَقائِي في راحَتِي؟ أَلاَ تَرَى دائِي في عافِيَتِي؟ يا عَبْدَ السَّلامِ باعَدَتْ بِكَ الْمَسافاتْ وغَيَّبَتْكَ الْمَتاهاتْ وما عُدْتَ تُمَيِّزُ بَيْنَ الْبِدَاياتِ والنِّهاياتْ وأَنْتَ في جُزُرٍ مُسْتَفْرِدَهْ وبِقاعٍ مُسْتَوْحِدَهْ. انْيُوزِلَنْدَا أَرْضٌ عَلَيْكَ جَدِيدَهْ وعاداتٌ غَرِيبَهْ وفِتْنَةٌ مِنْكَ قَرِيبَهْ. فَقَدْ أَمْسَيْتَ وأَمْسَتْ بِلادُكَ بَعْيدَةً عَنْكْ..وهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْكْ..كُلَّما اقْتَرَبْتَ مِنْها بِبُعْدِكْ اِقْتَرَبَتْ مِنْكَ وهِيَ بَعِيدَةٌ عَنْكْ..

ـ قُلُوبٌ يَأْكُلُ مِنْ زادِها الشَّوْقْ وأَجْسامٌ ضُرِبَ عَلَيْها الطَّوْقْ فَلا طَوْقُ الْحَمامَةِ يَكْشِفُ بَلْوَى ولا الإمْتاعُ والْمُؤانَسَةُ يَجْلِبُ سَلْوَى.. قُلُوبٌ سافَرَتْ بِلا أَجْنِحَهْ والْمَنْفَى يُمْسِكُها يَأْكُلُ مِنْ حَنِينِها ويُكَبِّلُها.. اللهُ أَكْبَرُ فَهَلْ مُدَّكِرْ ؟ اللهُ أَكْبَرُ أَيْنَ الْقَضِيَّةُ يا أَبْناءَ الرُّجُولَةِ مِنْ أَحْبابِ سَيِّدِ الْبَرِيَّهْ ؟..

ـ يا ساكِنَ انْيُوزِلَنْدَا أَيْنَ الصَّحْبُ والْوَلَدْ ؟ وأَيْنَ الْقُفْراتُ والْمِيرانْدَا ؟ وأَيْنَ الْكُسْكُسُ في الْفِيرانْدَا ؟ وأَيْنَ أَنْتَ يا مُمَرِّضَ الْمَدِينَهْ والأَسْبِرِينُ في الْيَدَيْنْ والْحُبُّ في الْعَيْنَيْنْ تُضَمِّدُ جِراحَ الْمَساكِينْ، تُخَفِّفُ آلامَ الْكادِحِينْ، تُناطِحُ سُوءَ الإدارَهْ لِيُرْفَعَ الظُّلْمُ عَنِ الْجائعِينَ الْمَحْرُومِينْ ؟ يا هَذا حَذارِ مِنَ الْكَنْغَرْ فَإنَّهُ مُلاكِمٌ ماهِرْ! يا هَذا حَذارِ مِنَ الأَرانِبِ إذا ظَلَّتْ ساهِرَهْ، يا هَذا حَذارِ مِنَ الْخَنازِيرْ تَسْرَحُ في الْهَنَاشِيرْ، تُحْصِي أَنْفاسَ النَّاسِ وتَمْنَعُ تَوْزِيعَ الْمَناشِيرْ وزَفَرَ الْغَرِيبُ زَفْرَتَهُ وعادَ يُرَدِّدْ:

ـ قَضَى اللهُ الْبِلادَ لِغَيْرِنا وابْتَلانا بِحُبِّها فَهَلاَّ بِغَيْرِ حُبِّ الْبِلادِ ابْتَلانا ؟!.. جَوْعانُ لِلأَوْطانِ لا أَسْكُنُها والْخَوْفُ والإرْهابُ يُمْسِكُنِي عَنْها ويَسْحَلُها.. أَعُدُّ لَيالِيَ الْبُعْدِ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلاتْ ولِلدَّهْرِ أَحْوالٌ وصَوْلاتْ.. ولِلْغَرِيبِ مَوَاجِعُ وآهاتْ فلا الطَّبِيبُ يُداوِيها ولا صَرْفُ الزَّمانِ يَشْفِيها..

ومَضَتْ لَيْلَتُهُ الأُولَى ولَمْ يَنَمْ وظَلَّ رَهِينَ الْفِراشِ ولَمْ يَقُمْ وَرَنَّ جَرَسُ الْفَيَّاقَهْ، عَقْرَبٌ مَسْعُورَةٌ لا تَعْرِفُ اللِّياقَهْ ولا أَسْرارَ اللَّباقَهْ وكَأَنَّها الّتي ظَلَّتْ طُولَ حَياتِها تَسُوقُ ولا تُتْقِنُ أُصُولَ السِّياقَهْ.

قامَ عَبْدُ السَّلامِ وانْتَصَبْ وقَدْ وَدَّعَ الإرْهاقَ والتَّعَبْ مُرَدِّداً:

ـ هَذا إقْبالُ نَهارِكْ وهَذَا إدْبارُ لَيْلِكْ. رَبَّاهُ كَيْفَ يُهانُ مَنْ قالَ: “لا” وانْتَصَبْ ؟ كَيْفَ يَبْكِي الطِّفْلُ الصَّغِيرُ ويَنْتَحِبْ ؟ وكَيْفَ يَغْلُو الْحَدِيدُ ويَنْخَفِضُ سِعْرُ الذَّهَبْ ؟ يا لَلْعَجَبِ يا لَلْعَجَبْ تَحَكَّمَتِ الْفِرَنْجَةُ وذَوَى نَجْمُ الْعَرَبْ!!!

 الظُّلْمُ يَغْرِسُ أَنْيابَهُ في عُيُونِ الْخَضْرَاءْ مِنَ الْبَحْرِ إلى الصَّحْراءْ ومِنْ بَنْقَرْدانَ لِلسَّاقِيَهْ ومِنْ مَطْماطَةَ لِلْعالِيَهْ.. تَمَنَّى طَوِيلاً لَوْ يَفْدِيها بِمُهْجَتِهِ لَمَّا اسْتَبانَ لَهُ وَجْهُ الْحَقْ في زَمانِ الرِّقْ وأَنَّ السَّيِّدَ الْهُمامَ سَيِّدُ التَّغْيِيرِ بَيْنَ جارِيَةٍ وزِقٍّ يُعَرْبِدْ. أَنا حامِي الْحِمَى والدِّينْ وأَنا الْماسِكُ بِالْحَبْلِ الْمَتِينْ وأَنا الّّذِي اخْتارَنِي الرَّبُّ لِهَذا الْعَرْشِ دُونَ الْعالَمِينْ، أَنا الْمُقْسِمُ بِكُلِّ يَمِينْ، أَنا الْغَضَنْفَرُ لا يَمَلُّ ولا يَكَلْ، أَنا السَّيْفُ الْبَتّارْ، أَنا جِنْكِزْخانُ الْمَغُولْ وهُولاكُو التَّتارْ وعَلى الْخُونْجِيَّةِ لَنْ أَرْفَعَ السَّيْفَ الْبَتَّارْ ولَنْ يَعُودَ الْغَنُوشِيُّ إلى الْبِلادْ إلاَّ مَتَى وَارَانِي التُّرابْ وبَكانِي الأَصْحابْ..

أَنا حَنَّبْعَلْ، أَنا عَلِيسَهْ، أَنا الْكاهِنَةُ أَنا الدَّسِيسَهْ، يَمُرُّ وَقْتِي بَيْنَ زُجاجَتِي وحاجَتِي وما تَبَقَّى خَصَّصْتُهُ لِكَسْرِ شَوْكَةِ الظَّلامِيِّينَ مِنَ النَّهْضَةِ والسَّلَفِيَّهْ ولَمْ يَأْمَنْ مَكْرَ حُرَّاسِي لا التَّبْلِيغُ ولا الصُّوفِيَهْ.. والْغَنُّوشِيُّ وَجَدَها فُرْصَةً لِلْبَقاءِ في حِمَايَةِ بْرِيطانْيا ذاتِ الْمُرُوجِ الْخَضْراءْ، يَحْلُمُ بِالدَّوْلَةِ الإسْلامِيَّهْ ويَحْلُمُ بِعَوْدَةٍ عَلى الأَعْنَاقْ بَيْنَ الإخْوَانِ والرِّفاقْ.. يَسُوسُ ما تَبَقَّى مِنْ جِسْمٍ تَشَتَّتَ وقَضِيَّةٍ باتَتْ مَنْسِيَّهْ لِجَماعَةٍ كانَتْ عَلى الْعَدُوِّ عَصِيَّهْ رَماها الزَّمانُ بِبَعْضٍ مِنْ قادَتِها عَجَّلُوا بِدَفْنِها وهِي ما زالَتْ في الْقُلُوبِ حَيَّهْ..

وَوَاصَلَ الزَّعِيمُ يَقُولُ: أَنا هُبَلُ مَنْ سَبَّ الآلِهَةَ قَتَلْناهْ أَوْ سَلَخْناهْ أَوْ عَذَّبْناهْ أَوْ إلى دِيارِ الْغَرْبِ نَفَيْناهْ، أَنا السَّيْفًُ الْمُسَلَّطْ غَلَبْتُ وما ارْتَوَيْتْ وانْتَصَرْتُ وما عَفَوْتْ وتَسَلَّطْتُ وما رَحِمْتْ.. دَعانِي الأَمْرِيكانُ وقَدْ كُنْتُ بِبُولَنْدَا إلى وَلِيمَةِ السُّلْطَهْ شَرِيطَةَ أَنْ أَحْمِيَ بَنِي عَمِّي وأَدْفَعَ لَهُمُ الضَّرِيبَةَ تِلْوَ الضَّرِيبَهْ واتَّقِيَ اللهَ في بَنِي الْعُمُومَهْ. بَنُو عَمِّي مِنْ بَنِي نَضِيرٍ وبَنِي قَيْنُقاعْ صاحُوا النَّفِيرَ النَّفِيرْ وتُونِسُ الْخَضْراءُ لَنا فِيها الأَمْنُ والْخَيْرُ الْوَفِيرْ.. هَيَّا لِلْحَجِّ والْعُمْرَهْ بَعْدَ مَحْرَقَةِ غَزَّهْ وهَذا حامِي الْحِمَى يَدْفَعُ بِأَعْدائنا إلى صَقَرْ، أَعْدائنا مِنْ بَنِي طارِقٍ وعُقْبَةَ وحَسَّانْ. اُدْخُلُوا يا أَبْناءَ الْعَمِّ تُونِسَ بِسَلامٍ وأَمانْ فَلَيْسَ الْيَوْمَ بِالْمَساجِدِ فِتْيانْ فَقُولُوا مَعِي يا أَبْناءَ الْعَمِّ: “يَحْيَ التَّغْيِيرْ!”..

ومَضَى عَبْدُ السَّلامِ عائداً إلى أَنْطُونِي وقَدْ عَقَدَ الْعَزْمَ ألاَّ يَنْثِنِي وطالَ حَدِيثُهُ لَنا:

ـ آهٍ يا عُمْرِي على شَمْسِي على قَمَرِي، آهٍ على زَيْتُونَتِي مَذْبُوحَهْ، آهٍ على حَنْجَرَتِي مَبْحُوحَهْ، آهٍ على أَجْنِحَةِ الْحَمامِ فَوْقَ الْمَآذِنِ مَجْرُوحَهْ، آهٍ مِنْ كافُورٍ يَأْكُلُ مِنْ زادِي ويَصْفَعُنِي ويَمْتَصُّ دَمِي ويَلْسَعُنِي. وجَرْبَةُ صارَتْ وَطناً لِبَنِي الْعَمِّ وأَبْناءُ الزَّيْتُونَةِ في ضِيقٍ وكُرْبَهْ يَكْتُمُونَ الضِّيمَ والْقَهْرْ وتَقَلُّباتِ الدَّهْرْ.. وقَدْ كَثُرَتِ الْجَلْطَةُ في رُبُوعِ الْخَضْراءْ مِنْ قَهْرِ السُّلْطانِ الّذِي تَطَاوَلَتْ في عَصْرِهِ النِّساءْ مِنْ أَمْثالِ سَلْوَى وأُلْفَهْ ورَجاءْ عَلى الْمُقَدَّساتِ وحُرْمَةِ الأَنْبِياءْ.. تَطَاوَلْنَ عَلى التُّراثِ والصَّحابَهْ مِمَّنْ صَنَعُوا لَنا ذاتَ يَوْمٍ بَيْنَ الشُّعُوبِ حَضارَهْ..

وصَدَعَنِي الْمَنْفَى بِجَبَرُوتِهْ وأَنا الْعائدُ مِنْ كُورُونْ وسَنَوَاتُ الْغُرْبَةِ كَأَنَّها قُرُونٌ وقُرُونْ وأَنا مَغْلُوبٌ على أَمْرِي أُرَدِّدْ: “لَيْتَهُمْ يَثُورُونْ!”.. “لَيْتهُمْ يَثُورُونْ!”.. ولَمَّا غَلَبَنِي الصُّدُاعْ وتَراقَصَتْ عَلى الْيَمِينِ وعَلى الشِّمالِ عَقارِبُ النُّخاعْ كانَتْ قَدْ أَتْعَبَتْنِي الدَّوْخَهْ فَنادَيْتْ:

ـ يا أَحْمَدُ عَجِّلْ يَرْحَمْكَ اللهُ بِعَصِيرِ الْخَوْخَهْ!…

وشَرِبْتُ عَذْباً زُلالاً وأَنا أُرَدِّدُ مَعَ الصَّدَى:

ـ حَبِيبَتِي في الأَحْشاءِ حَيَّهْ، خَضْراءُ بَهِيَّهْ، ماتَتِ الْقَضِيَّهْ أَوْ ظَلًَّتْ حَيَّهْ.. فَأَرْضُ الْقِيرَوانِ لَنْ تَكُونَ لِثَعالِبِ الْحَداثَةِ عاهِرَةً بَغِيَّهْ وقَدْ بارَكَ اللهُ ثَراها بِدِماءٍ زَكِيَّهْ.. الْيَوْمَ زارَها الْقَرَضاوِي والْعَوْدَهْ وغَداً تَفْتَحُ أَحْضانَها لِعُشَّاقِ الْحُرِّيَّهْ..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مايو 23rd, 2009

لا وقت .. لنا..

 

 

 

 

إلى شهد عبد العزيز لن تجدي يدا حانية تمسح دموعك المترقرقة في مآقيك مثل يد ذلك المعتوه الذي جمعك به القدر في ليلة شتاء باردة

لا وقت .. لنا..

عبد الحفيظ خميري

لا وقت .. لا وقت

لا وقت للزهور لتزدهرْ

لا وقت للأمطار لتنهمرْ

لا وقت للأحلام لتكتملْ

لا وقت لعينيك يا حبيبتي لتكتحلْ

فذي ريح تولول في الشوارع

وتصطاد الفراش

وتكتب بوحل المستنقعات

موت الربيع المنتظرْ

لا وقت.. لنا..

لا وقت لنا..

فلا تبكي علي ما كانْ

إذا النهار ارتحلْ

ولم تعد سفينتي

فذلك يعني أني احتضرْ

وجاء الوداع ولم أعد انتظرْ

 

 

 

مايو 22nd, 2009

مذكرات شهد عبد العزيز

 

 

 

مذكرات شهد عبد العزيز

مـؤانسة الـقمر

 

في إحدى ليالي السمر وبروز القمر ، نظرت إلى السماء لأرى إحدى معجزات الرحمن من جمال الكون وعظمته إلى هذا القمر كأنه في يوم عرسه ، النجوم تتراقص من حوله ، فبدأت أفكاري تنساب في هذا الكون الصغير .

اقشعر بدني من جرح أليم جاءني من دون استئذان………

كانت ليلة في غاية الظلام أتتني الذئاب في صورة إنسان….. آه يا قمر…. آه، أين كنت تركت الذئاب تصطاد الغزلان….. صرخت……. بكيت…… لم يكترث لي أحد، جرحي بقي إلى الأبد، آه آه، هل يسمعني أحد ؟!!

وأنا أجدد أنفاسي ابتسم لي القمر وقال لي أنت معي و تضجر ! أطرقت رأسي من الخجل، قال لا تستحي أنا صديق لكم منذ القدم، ارتدت الروح لصدري، وقلت: هل من أمل ؟

قال نعم ما دمت تعشق القمر.

مايو 22nd, 2009

دار النجم العربي للنشر والتوزيع ـ باريس

دار النجم العربي للنشر والتوزيع ـ باريس..

مايو 22nd, 2009

وجَاءَ مَنْ يُعِيدُ الأَمْنَ لِلْبِلاَدِ..!

وجَاءَ مَنْ يُعِيدُ الأَمْنَ لِلْبِلاَدِ..!

عبد الحفيظ خميري

 

حِكَايَتِي يَا قَمَرُ

أَنَّنِي لَمْ أَعْرِفِ الإبْحَارَ

فِي شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ

بَعْدَ الْيُتْمِ الطَّوِيلِ

وكَثْرَةِ الأَسْفَارْ

حِكَايَتي يَا قَمَرُ

حِكَايَةُ الأَسْوَاقِ الثَّائِرَة

والْقُلُوبِ الْحَائِرَة

تَبْحَثُ عَنِ وَطَنْ

أَرْهَقَهُ الشَّجَنْ

يَطْحَنُهُ الْوَثَنْ

قُلْنَا اِسْتَرَاحَ الْعِبَادْ

وقَدْ سَقَطَ الصَّنَمْ

وجَاءَ مَنْ يُعِيدُ الأَمْنَ لِلْبِلاَدِ

ولَكِنْ؟

ولَكِنْ ولَكِنْ

            ***

سَتَرْقُصُ حُرُوفِي في رُوَاءْ

تَزُفُّ التَّهَانِي لِشَبابِ الْخَضْرَاء

تَزُفُّ التَّهَانِي لِكَمَالْ

وسَمِيرْ وعَبْدِ الرَّحْمَنْ

يَا فَرْحَةَ الإسْلاَمِ بِهِمْ

إذَا مَا أَقَامُوا لِلأَدْيَانْ

عِزَّهْ وغَرَسُوا فِي

هَذِهِ الرُّبُوعْ

ثَمْرَةَ جِيلِ الآبَاءْ

جِيلِ الإخَاءْ

جِيلِ الرَّفَاءْ

جِيلٍ عَلى الْعَهْدِ

يُلَبِّي النِّدَاءْ

  ***

اِسْمَعُوا يَا سَادَةُ يَا كِرَامْ

هَذَا الْحَدِيثَ حَدِيثَ الْكَيِّسِ الْفَطِنْ

يَكْتُبُ رَحِيلَ الأَيَّامْ

وتَتَالِيَ الأَعْوَامْ

والْبِلاَدُ يُكَبِّلُهَا الْحَدِيدْ

وأَحْلامُنا خَمْرَةٌ

يَشْرَبُهَا عِرْبِيدٌ وَرَاءَ عِرْبِيدْ

وحَالُ الْعِبَادِ يَطْحَنُهَا السَّوَادْ

ولَيْسَ هُنَاكَ مِنْ جَدِيدْ..

النَّوْمُ في خَوْفٍ

وعَلَى سُهادْ

يَدْعُونَ بِالْعُمْرِ الْمَدِيدْ

لِحَامِي الْحِمَى والدِّينْ

  ***

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنَا السُّلْطَانْ

قَالَ سَمِيرٌ أَنَا الأَمِيرْ

وقَالَ كَمَالْ..

تُرَى ما لَوْنُ الأَرَانِبِ تَحْتِ الْقَمَرْ

ومَرَّتْ سَنَواتٌ..

ومَا عَرَفَ الْعِبَادُ السَّلاَمْ

ومَا رَقَصَتِ الطُّيُورُ فِي سَلاَمْ

ولا عَرَفَتِ الْبِلاَدُ إلاَّ رَقْصَ

الظَّلاَمْ

يَعِيشُ في كُلِّ الْبُيُوتْ

يَكْتُبُ جَبَرُوتَهُ في كُلِّ الشَّوَارِعِ

والشَّاحِنَاتْ

تَارِيخُ الْيَوْمِ الَّذِي صَارَ

كَالْوَثَنْ

كَالصَّنَمْ

يُطَوِّقُ الرِّقَابْ

يَا عَجَباً لِمَنْ لَمْ يَنْتَصِبْ

مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْغَضَبْ

وأَضْنَانَا عَلَى النَّارْ

مَنْفَى التَّعَبْ

يَا لَلْعَجَبْ !

 

 

 

مايو 22nd, 2009

فرنسا أمّ الجميع

فرنسا أمّ الجميع

عبد الحفيظ خميري

 

من اجل وطن قوي من أجل وطن يتسع للكل من أجل وطن نحبه وسنظل نحبه لاننا نشعر فيه بوجودنا وكرامتنا وحريتنا وتتحقق فيه شخصيتنا من أجل وطن لافرق فيه بين القوميات والديانات من أجل وطن للجميع أوقفوا هذا القانون المظلمة الذي يسيء إلى فرنسا.. إن فرنسا أم الجميع وراحة الجميع ووطن الجميع ووطن العلمانية التي تتسع للجميع ولكن أبى ساسة البلاد وإعلام البلاد إلا أن يجعل من العلمانية عجوزا شمطاء تنظر بعين عوراء إلى الأقلية المسلمة..

من أجل وطن يكون الحضن الدافء لكل عاشق لفرنسا.. فرنسا حقوق الإنسان.. فرنسا الثورة على الظلم.. فرنسا رائدة العلم والنور..

رسالة لكل العشاق والكتاب والمبدعين والشعراء والفنانين والعلماء والرياضيين والكبار والصغار والشباب أوقفوا هذا القانون المهزلة هذا القانون العنصري تجاه المسلمين وبنات المسلمين…إن فرنسا التي كانت دائما مركز العلم ترقى على أن تمنع بناتها من حريتهم…

أي قانون يسمح بسلب المرأة حريتها أنتم أيها المدافعون عن حرية المرأة لماذا سكتم عن هذا الظلم الذي سلطه ساسة البلاد على بنات المسلمين ؟..

لماذا نأمر الفتاة المسلمة بنزع حجابها ونسمح لغيرها بأن تفعل بجسدها ما تريد ؟..

أي ازدواجية وأي ظلم يسلط على المسلمات اليوم في بلد الحرية باسم حماية العلمانية ؟..

لابد أن نحمي العلمانية والجمهورية من الساسة الذين فشلوا في برامجهم الإصلاحية فوجهوا الرأي العام إلى قضايا مصطنعة من أجل التغطية على فشلهم وإخفاقاتهم..

إن فرنسا بريئة كل البراءة من هذا القانون المظلمة لأنها بلد حقوق الإنسان بلد الحرية والديموقراطية..

إن المتأمل جيدا في القانون لا يجد نصا واحدا ضد عقيدة المواطن الفرنسي مهما كان : مسلما مسيحيا يهوديا بوذيا ملحدا..

إن فرنسا بلد العلم فكيف تريدونها أن تكون بلدا للجهل ومسلخا للحريات والقناعات الشخصية ؟..كيف تريدون تحويل واحة العلم والمعرفة إلى مقبرة للجهل والظلام في قلوب هؤلاء الفتيات فهن عاشقات لوطنهم الذي ضمن لهم حرية الاعتقاد والتدين..

فرنسا أم الثورات جاءت لتحرير المرأة وليس لتكبيلها وحرمانها من أبسط حقوقها فأنتم أيها الساسة تحرمونها اليوم من حجابها وغدا تطلبون منها أن تلبس المني جيب فمن فعل هذا قادر على فعل ذاك وكأن هؤلاء الفتيات لا إحساس لهن ولا قلب لهن ولا عقل لهن..

إن مديرو المدارس المعاهد والأساتذة يشهدون بحسن أخلاقهن وبتفوقهن الدراسي فهن الأوائل أو من الأوائل في فصولهن..

إن حجاب المرأة المسلمة هو جزء من شخصيتها وكيانها وعقيدتها وتربيتها وحيائها وليس له أي ارتباط بأي نفس سياسي كما تروج لذلك بعض وسائل الإعلام التي شنت الحرب على هولاء المتحجبات حتى غدا الحجاب والتخويف منه هو الوجبة اليومية لوسائل الإعلام هذه وكأنه في فرنسا ليس هناك مشاكل أخرى يلقى عليها الضوء إلا مشكلة الحجاب ..

أنا أتساءل اليوم لماذا لا تتحدث وسائل الإعلام هذه عن المتسولين والشحاذين والمرضى وضحايا الاغتصاب والشيوخ والعجائز الذين تقتلهم الوحدة وينخرهم الإهمال ؟..

علينا جميعا اليوم أن نتحد من أجل فرنسا قوية وعملاقة ومتقدمة ولها كلمتها في المحافل الدولية وقادرة أن تقف في وجه قوى الهيمنة مدافعة عن حقوقها وحقوق الشعوب الأخرى في الحياة الكريمة..

لقد نفخت وسائل الإعلام الفرنسية في موضوع الحجاب حتى كاد الموطن الفرنسي أن يصدق أنه في خطر وبات خائفا من هذا الوباء الجديد الذي يهدد أمن المواطنين.. نفخ مثلما نفخت وسائل الإعلام الأمريكية   بأن العراق يمتلك أسلحة فتاكة ونووية ونفخت ونفخ بوش وبطانته وخووفوا المواطن الأمريكي من هذه الأسلحة التي تهدد أمريكا في عقر دارها وكل ذلك من أجل النفط..

إني كمواطن فرنسي أحب هذا البلد أسال وسائل الإعلام: ما هو الخطر الذي يمثله بعض التلميذات المتدينات على العلمانية وعلى الجمهورية حتى أننا نرى مجلة ك “اكسبارس” تكتب بخط كبير عن أعداء الجمهورية..

على الإعلام أن يفتح عينيه على الأحياء الفقيرة وعلى الشباب المهمش وعلى العنصرية الضاربة الأطناب التي يعاني منها المسلمون والعرب والأفارقة في العمل والسكن والعلاج..

إنكم أيها الساسة بهذا القانون العنصري قد فتحتم الباب على مصراعيه لبعض العنصريين ليكشروا عن أنيابهم التي طالما كانت متخفية خوفا من القانون.. ها هم اليوم يكشفون حقدهم وعنصريتهم فهذه طبيبة تمنع مريضة متحجبة وهذه مؤسسة بنكية تمنع متحجبة أخرى من دخول البنك وهذا أستاذ يخلع حجاب تلميذته بالقوة وهذا عمدة يُصرّح بأنه لن يعقد قران المتحجبات وهذه أم متحجبة تمنع من مرافقة ابنها في رحلة تنظمها مدرسته وهذا عمدة آخر يقول لقد مللنا من رؤية المتحجبات وهذا وزير التربية القومية يذهب أكثر من ذلك ويطالب بمنع اللحية والقائمة تطول..

كل هذا يجري ومن يمثل المسلمين لا يحركون ساكنا إنهم يمثلون السلطة لدى المسلمين وليس العكس.. فقد انقلبت الآية..

نحن نعرف أن مسجد باريس يمثل الجزائر في فرنسا والفدرالية تمثل المغرب وكانت ثقتنا في الاتحاد المنظمات الإسلامية ولكن خيب الأمل بسياسة النعامة التي يمارسها.. يحاول أن يكون مسالما أكثر من المسالمة ولكن والله لو خلعت جلدك ما عرفتك هكذا تتعامل معهم السلطة الفرنسية بالتجاهل مرة وبالتهميش مرات رغم مسالمتهم..

نحن نريد ممن يمثل المسلمين اليوم تحركا  يجمع بين الجرأة والحكمة وبين الحق والواجب وبين مصلحة الدولة ومصلحة السلمين..

مسألة الحجاب مسألة لا يمكن المساومة عليها وهذا القانون المظلمة الذي مسّ التلميذة المتحجبة دون غيرها لن يغير من الأمر شيئا بل سيشجع على ارتداء الحجاب أكثر. فكل ممنوع مرغوب وحتى التي لم تكن تلبسه اليوم إيمانا غدا ستلبسه تحديا..

وفي الأخير نقول لبعض الساسة وأصحاب الأحزاب من المسلمين من متصيدي الفرص وراكبي الأحداث دعوا قضية الحجاب بعيدا ولا تحولوها إلى بضاعة رخيصة تتاجرون بها في سوق السياسة من أجل خدمة  مصالحكم الشخصية.. وتعطوا الانطباع بأن الحجاب قضية سياسية وتساعدوا وسائل الإعلام الفرنسية على مواصلة حربها ضد الحجاب و تهميش قداسة القضية وشرعية المطالب..           

 

 

مايو 22nd, 2009

لا تـعـش لـنـفـسك فـقـط ..

لا تـعـش لـنـفـسك فـقـط ..

عبد الحفيظ خميري

 

هناك من هم بحاجة إليك.. انظر من حولك ستجد الكثير من المساكين ممن هم في حاجة إليك ماديا ومعنويا.. مرضى تغص بهم المستشفيات.. متشردون في أنفاق المترو وخارجه.. جوعى ينبشون المزابل بحثا عن الطعام.. عاطلون عن العمل يبحثون عمن يرشدهم .. وحيدون تقتلهم الوحدة.. أرامل يعيشون مرارة الترمل.. يتامى يبحثون عن الحنان والمحبة.. وتلاميذ يحتاجون منك ثمن كتاب وكراس وأقلام ولوحة ومحفظة.. يحتاجون منك شمعة لتنير لهم الظلام بعد أن قطعوا عنهم الكهرباء..

هؤلاء يحتاجونك .. يحتاجون منك زيارة .. يحتاجون منك ابتسامة.. يحتاجون منك بعض الكلمات .. يحتاجون منك هدية .. يحتاجون منك مساعدة.. نصيحة .. مكالمة هاتفية.. تشعرهم بأن هناك من يفكر فيهم ويحس بمعاناتهم.. هم كبار في السن .. هم مرضى في المستشفيات.. هم منقطعون عن العالم من حولهم .. هم أطفال مات آباؤهم.. ونساء فقدن أزواجهم.. هم مساكين.. وبؤساء.. ومحرمون..

لا تفكر في نفسك فقط.. لا تعش لنفسك فقط… فربما أصابك ما أصابهم..

هناك من هم في حاجة إليك ماديا ومعنويا داخل فرنسا وخارجها .. فقراء اشتد عليهم الحصار.. وجرحى الحروب.. بيوت دمرت.. وعائلات شردت.. وأشجار اُقتلعت.. وأعراض هتكت..

هؤلاء يحتاجونك .. يحتاجون منك زيارة .. يحتاجون منك ابتسامة.. يحتاجون منك بعض الكلمات .. يحتاجون منك هدية .. يحتاجون منك مساعدة مادية.. يحتاجون نصيحة .. مكالمة هاتفية.. تشعرهم بأن هناك من يفكر فيهم ويحس بمعاناتهم..

لا تفكر في نفسك فقط.. لا تعش لنفسك فقط… فربما أصابك ما أصابهم.. كلنا ليس في مأمن من الأخطار والأمراض والحوادث والابتلاءات ومما أصاب هؤلاء البؤساء.. إذن فانظر من حولك فربما يكون جارك في حاجة إليك.. ربما تكون هناك أخت ترملت بحاجة إليك.. ربما يكون هناك طفل مريض بالسرطان يحتاج منك اهتماما ورعاية.. أو بنت مات أبوها تبحث عن الحنان والمحبة وعن هدية في العيد.. أو عائلة محرومة في فلسطين أو العراق أو الصومال أو الشيشان أو النيجر تحتاج منك صدقة تطعم بها أطفالها..

فكن أيها القارئ الكريم طبيبا يداوي الجراح ويسكن الأوجاع.. ورب العالمين لن ينسى لك اهتمامك ورعايتك بالمساكين في يوم لا تنفع فيه الأموال ولا الأولاد ولا الوظيفة ولا السلطان.. وإنما ينفعك عملك وصدقتك وإغاثتك للمنكوبين..  فقط عمل الخير هو من يرفع إحساسك بالحياة ويعطي لوجودك معنى ويشعرك بالسعادة والهناء وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير الناس انفعهم للناس..

 افتح عينيك هذه غزة تناديك..

افتح عينيك هذه أوجاع الثكالى تناديك..

افتح عينيك ليوم لا تجد فيه إلا ما قدمت من الخير يداك..

 

مايو 22nd, 2009

قف بالخضراء وحيّ أبطالها رغم الداء والأعداء

قف بالخضراء وحيّ أبطالها رغم الداء والأعداء

عبد الحفيظ خميري ـ باريس

إلى إخوتي الذين أُطلق سراحهم أخيرا.. إلى شموع أرادوا إطفاءها فكانت نجوما.. كلما تراشقتها سهام العداء ازدادت نورا على نور في عيون الأهل والأقارب وفي عيون قطاع كبير من الشعب التونسي.. إلى أسود أرادوا قهرها بحبسها خلف القضبان لعلها تتحول إلى كلاب صيد أو قطط أليفة في سرك الولاء والطاعة.. فأبوا أن يحققوا لجلاديهم هذه المتعة.. فمرت سنة وراء سنة.. وسبعٌ على سبع على سبع أشابت الولدان وشيعت رجالا أحرارا ونساء فاضلات وشيوخا وعجائز إلى مثواهم الأخير وأحرقت قلوبا كانت آمنة في سربها وحطمت أحلاما استوت على سوقها وكسرت آمالا طالما داعبت الآلاف من التونسيين..

أيها الصامدون لقد هبت عليكم عواصف الرعب والموت والعذاب والجحيم فما وهنتم وما بدلتم وما غيرتم وما توليتم ولا نكستم الرايات ولا خنتم ولا غدرتم ولا تبتم ولا نبتم ولا ساومتم رغم طول المحنة ولا هُنتم ولا استسلمتم للقبضة البوليسية الصارمة.. فكان لكم الشرف والمجد وكان لسجانيكم الهوان والخزي.. فإذا أنتم كالجبال الشامخة رغم ما حل بأجسامكم من خراب وتدمير وسرطان يسري في الأوصال كالصل.. وأمراض مزمنة هي صورة رائعة للاستبداد هذا إن كان للاستبداد صورة رائعة غير تلك التي أرغمونا قسوة على الافتخار بها والتسبيح بآلائها في وطننا العربي الكبير الذي لم يفلح إلا في سحق الأبرياء  بتعلة هيبة الدولة والمحافظة على دولة المؤسسات والقانون. دولة المجتمع المدني والحريات وهل ما يجري للمحجبات في تونس إلا قمة في الحرية والعدل والعمران!!!..

أنتم رجال بمعاني الرجولة الكاملة.. أقولها لكم رغم أنني طلقت الحزب الذي من أجله تحملتم الأهوال.. ولكن كلمة حق سيكتبها التاريخ لكم أنكم أبطال في صبركم رغم النهاية المظلمة التي انتهينا إليها جميعا.. حين استهدفت النهضة رأس النظام وناصبته العداء فناصبها هو عداء بعداء كان أشد وأنكى.. وكان الأولى برأس النظام أن يعفو ويصفح طالما هو رئيس البلاد والعفو عند المقدرة من شيم الكرام.. وكان أولى بما تبقى من رموز هذه الحركة المشلولة أن يوقفوا الاستنزاف: يعترفون بأنهم أخطؤوا وتسرعوا واستهانوا بخصمهم ولكن ظلوا على تعنتهم حفظا لمصالحهم ومطامعهم التي يحميها لهم هذا التنظيم الكسيح المقعد المشلول المستبد الذي لم ينجح في شيء مثلما نجح في وأد كل مبادرة تحاول أن تخرج إلى النور بهداية أو رشاد أو بحل أو بمبادرة تحاول خرق جدار الصمت.. وقد فصلت هذا في مقال تحت عنوان: “على تنظيم النهضة أن يعتذر للشعب التونسي“. لا أجد الفرصة مناسبة لنشره احتراما لمشاعر إخوتنا الخارجين لتوهم من السجون.

هذا التنظيم بات وصيا على كل من أخذ مسافة منه أو قدم استقالته وكأني به قد أصبح رضوان خازن الجنان يدخل الجنة من يشاء أو سار على درب الكنيسة يوم كانت أوروبا غارقة في ظلامها فكان رهبانها  يوزعون صكوك غفرانهم على من يريدون..

ارفعوا أيديكم يا أصحاب الأقلام المستبدة التي ما زالت ترتع في وهمها وتقبض على غيها وتعض على أن رأيها هو الصواب والبقية الباقية أطفال لم يبلغوا سن الرشد ليس من حقهم أن يفعلوا ما يريدون. إنكم تعيشون في أوربا منذ سنوات فكيف لم تتعلموا أدبيات الاختلاف ولم تتنسم عقولكم وجوارحكم نسائم الحرية ؟؟؟ .

اتركوا للناس الخيار ولا توقفوهم على أمر لا يرضي إلا هواكم.. فمن وكلكم على من ولدتهم أمهاتهم أحرارا. واتركوا التاريخ يقول كلمته على هذه الأرض.. واتركوا الله يحكم بين الناس بما يشاء فهو أدرى بالنوايا والعزائم.. وإن من البشاعة والقبح أن تخونوا إخوة لكم لا لشيء إلا أنهم قدموا استقالتهم..

 

ثمانية عشر سنة سجنا أي رعب ؟؟؟

 

 ثمانية عشر سنة سجنا مدة لا يصدقها عقل ولا يقتنع بها عاقل ولا يقبل بها منطق ولا يستوعبها خيال ولا يدركها إحساس ولا يقوى على هضمها لبيب ولا يحل طلاسمها عبقري.. سنوات جمر مشي على زجاجها الحارق في زنزانات ضيقة شباب تونس ممن اصطادتهم كماشة الرعب الذي جثم على أفواه كل المعارضين للنظام أو حتى المشبوه فيهم وما أكثر الأبرياء الذين اكتووا بالمحرقة النوفمبرية دونما ذنب جنوه أو جرم اقترفوه وهذه جريمة النظام التي لا تغتفر حيث أحرق قلوب شباب لا ناقة لهم ولا جمل مع النهضة لا من قريب ولا من بعيد.. جريمتهم الوحيدة أنهم يصلون!!..

جحيم من فوقه جحيم من تحته جحيم.. أينما تولي بصرك لقلبك رائدا أحرقتك رمضاء السجون.. جحيم يدركه إحساس السجين ولكن أبدا ما حاطت به صفة ولا استوعبه نص أو قصة أو فيلم من أفلام الرعب والخيال.. مهما تطاولت أعناق المخرجين لهتك المستور والمجهول من هذا الكون لتصور لنا الغريب والعجيب والمرعب ورغم ذلك لم يرقوا في تصوروهم في كل الأفلام التي تناولت موضوع السجن إلى ما يحدث في سجون تونس.. تونس التي يتبجح برهان بسيس وغيره بصفاء الديمقراطية التي تحكمها وشفافيتها التي لا توجد حتى في بعض دول الغرب..

لا يصدق أحدهم مهما طالع من الكتب وشاهد من أفلام الرعب والخيال أن الأخ صادق شورو مثلا قضى ثمانية عشر سنة سجنا من بينها أربعة عشر سنة وحيدا في زنزانته لا يصحبه فيها إلا إرادة كالفولاذ تأبى أن تنحني لغير الله.. فإليه وإلى كل الصادقين الذين لم يقايضوا على قضيتهم بقطع النظر أخطؤوا أو لم يخطئوا هذه الأبيات التي أبت أن تستقيم لبحر..

قف بالخضراء..

قف بالخضراء وحيّ أبطالها

هامات مَجد كالجبال الشامخة

طيور عز..

بعد سنين عانقت أوكارها

نسور الجبال الشاهقات..

ما ولت على أعقابها

قف أيها الساقي وأسق عُشاقا

تفانوا في حبها وفدائها..

سنوات قهر كأنها لم تكن

بلا رجعة تناثرت..

وتناثر رمادها..

إني وقفت بباريس مشتاقا

إذ شمس الحرية لاح شعاعها

ملأت بدفئها عيونا كم سكبت

في خلوتها من مائها..

قف بالخضراء يا صاحي..

وسجل على دفاتر الذكرى

زفرات تأكل قلب الحديد

آه كم أدمت قلوبا ومزقت نياطها

إني وقفت والحزن يذبح مهجتي

لما رأيت صورة شيخ..

كم كانت مشرقة في سناها

صورة بطل اسمه الصادق

صدق العهد مع الخضراء

وفي حبها تاه  ..

وظل يردد في زنزانته :

ويل عاشق من عِشقها..

حُمّل العذاب ومُنع وصالها

فتاهت سنوات عمره تترى

وعن حبها ما تاه..

 

footer