تعليم اللغة العربية في الغرب: الأسباب والمناهج والصعوبات
) فرنسا نموذجا)
إعداد عبد الحفيظ الخميري
يذهب بعض الباحثين إلى أن تدريس اللغة العربية ليس جديداً في الغرب حيث تعود بداياته إلى أيام المسلمين في الأندلس الّتي كانت تزخر بعلوم رائدة كالفلسفة والفيزياء والرياضيات والموسيقى، فَاسْتَقْدَمَتْ فرنسا من قرطبة وغيرها، معلمين يدرّسونها في دارها إلى جانب اللّغة العربيّة الّتي كانت لسان الثّقافة يومئذ.
يبدو أنّ أول من دعا إلى تعلم العربية في فرنسا هو الملك فرنسوا الأول في القرن السادس عشر. ثمّ استمرّ المستشرقون يدرُسُونَها على غرار شارل بلا ومن إليْهِ، مِمّن أكبّوا على كتاب كليلة ودمنة ورسائل الجاحظ وقصص ألف ليلة وليلة. فإذا استقرّ المهاجرون العرب في الغرب وأخذ دينهم وتراثهم ينموان وينتشران بعد جيليْن أو ثلاث، أخذت مدارس اللغة العربية تُؤَسّس حتّى بلغت عدداً لا بأس به. وبدأ العالم الغربي يهتم بالحضارة العربية الإسلامية ليس من باب الفضول فحسب بل لأنّها باتت مكونا من مكوّنات شّخصية الملايين من مواطنيه. ورغم التعامل الحذر الذي تبديه المؤسسات الرسمية الغربية تجاه العربية، لا سيّما بعد أحداث 11 سبتمبر، استمرّت اللغة تشق طريقها في هذه المجتمعات مُذلّلة الصعوبات والعراقيل.
وجدير بالذّكر أنّ تدريس هذه اللّغة انتشر في الولايات المتحدة وأوروبا والصين واستراليا وغيرها على السّواءِ. فالعربيّة شهدت في السنوات الأخيرة اهتماما عجيبا بها في أمريكا، وهذا يحيى عبد المبدي محمد يقول: “شهدت السنوات الأخيرة آلاف المقالات والتغطيات الإعلامية التي تتناول شؤون العرب المقيمين في الولايات المتحدة ـ رغم ما فيها من جوانب سلبية ـ وقد سلطت الضوء بقوة على الجالية وأشعرت أفرادها بحقيقة وجودهم وألهمتهم معنى تمثيلهم كيانا وجزء مهما من مكونات وأطياف المجتمع الأميركي. واللغة العربية أتاحت المزيد من فرص العمل لأبناء الجالية العربية في أمريكا وبات الإعلان عن وجدود وظيفة لمن يتقن العربية في مؤسسات تعليمية أو أمنية أو عسكرية أو استخباراتية أو إعلامية أمرا شبه يومي في مواقع التوظيف الإلكترونية أو الجرائد. ويكفي أن تضغط في طابعة حاسوبك على حروف كلمة اللغة العربية أو العرب لتجد عشرات من إعلانات التوظيف يوميا. ومن جهة أخرى تزايد إقبال الأمريكيين على الثقافة العربية إذ تضاعف عدد طلاب لغة الضاد في جامعة جورج واشنطن في السنوات الأخيرة من بضعة عشرات إلى ما يقرب من ثلاث مائة طالب… وينطبق الشيء نفسه على كافة أقسام العلوم الإسلامية في الجامعات الأميركية. كما تشهد المؤسسات التعليمية ظاهرة جديدة تؤكّد هذه الحاجة وهي رصد بعض المؤسسات الحكومية والخاصة لميزانيات ضخمة بغرض تقديم منح سنوية وتنظيم برامج مكثّفة في اللّغة العربيّة لمجموعة من الطّلاّب منتقاة كبرنامج فلاغ شب وغيرهما.CAPA وكبا Flagship
أما فرنسا فلم يعد هذا التّعليم مقتصرا فيها على بعض المؤسسات الرسمية القليلة مثل معهد الدراسات الشرقية الذي أُسس في البداية لتعليم اللغات العربية والفارسية والتركية فحسب ( بينما هو يدرس اليوم قرابة المائتي لغة شرقية ) ولا على أقسام اللغة العربية في بعض الجامعات العريقة ككليات جامعة باريس ( السربون ) للعلوم الإنسانية أو باريس ثمانية أو ليل أوأكس بروفانس ولا على َمعهد العالم العربي والمدارس الخاصّة التابعة لسفارات بلدانها على التراب الفرنسي، بل لقد انتشرت المعاهد المستقلّة والجمعيات والمساجد انتشارا عجيبا إيفاء بهذا الغرض لشدّة طلب الأجيال العربية المسلمة المولودة في الغرب لهذا التّعليم. بل تعدّى الأمر إلى الغربيين أنفسهم بدليل أنّ اللغة العربية تعتبَر ثانيَ لغة متحدّث بها في باريس وضواحيها.
هذا الإقبال عليْها جعل منها ظاهرة تُدْرَس في المجتمعات الغربية سواء عبر الإعلام أو مراكز البحوث والدراسات أو الجامعات، وكم من عمل جامعيّ أنجز في هذا الشأن.
لكنّ تعليم اللّغة العربيّة، رغم أنّه لم يعد غريبا في المجتمعات الغربية، إلا أن الكثير ما زال ينكر أهميته وما قدمته هذه اللغة للإنسانية فَيتجاهل جمالياتها ويصرّ على أن يقرنها بالإرهاب والتطرف. غير أن هناك مفكرين وعلماء غربيين ـ مهما كانوا قليلين ـ أنصفوا العربية فقال Hitti,P.Kعنها
” أشهد من خبرتي الذاتية، أنه ليس ثمَّة من بين اللغات التي أعرفها ـ وهي تسع لغات ـ لغة تكاد تقترب من العربية سواء في طاقتها البيانية أم في قدرتها على أن تخترق مستويات الفهم والإدراك، وأن تنفُذَ وبشكل مباشر إلى المشاعر والأحاسيس، تاركة أعمق الأثر فيها، وفي هذا الصدد فليس للعربية أن تقارن إلا بالموسيقا “[1].
الاهتمام ذاتُه جعل المخرج الفرنسي ميشال أوسلو يخصص لها مساحة كبيرة في فيلمه “آزور وأسمر” حيث إن نصف المشاهد معبَّر عنها باللغة العربية الخالية من التّرجمة وكأنّ المؤلّف بطريقة غير مباشرة يدعو الفرنسيين إلى فهم هذه اللغة وتعلّمها. فمن لم يتعلم لغة قوم لم يعرفْ شيئا عن حضارتهم وإسهاماتهم في إثراء الحضارة الإنسانية.
وتسعى مجلة ” اللسان الحر” من خلال هذا التحقيق إلى دراسة ظاهرة تدريس اللّغة العربيّة: أسبابها والْمناهج المعتمدة في ذلك ثم ما هي الصعوبات التي تواجهها وكيف تتفاعل معها الأوساط الفرنسية الرسمية منها والخاصة ؟ وَمن خلال هذه الأجوبة، نحاول أن نستقرئ مستقبلها في الغرب. وسنعمل في الجزء الثاني من التحقيق الذي سينشر في العدد الثاني من المجلة، على تقديم جملة من المؤسسات التعليمية الناشطة على التراب الفرنسي والتي خاضت تجارب ناجحة ـ نسبيا ـ في هذا المجال.
وللإجابة عن هذه الأسئلة، اِسْتَفْسَرْنا أهل الاختصاص من أساتذة وأصحاب مناهج كما زرنا مجموعة من المؤسسات والمعاهد والجمعيات المهتمّة بهذا الشّأن إذ تَحرص المجلة على تقديم صورة واقعية لهذا التعليم بِقصد تذليل الصعوبات العائقة و إيجاد بدائل مستقبلية تُتِيحُ التوازن المنشود في حياة النّشء الصّاعد الّذي بات جزءا لا يتجزّأ من هذا الغرب.
1 ـ أسباب الإقبال على تعلم اللغة العربية:
كثيرون هم الّذين يبرّرون الإقبال على اللّغة العربيّة بِكون الوجود العربيّ الإسلاميّ لم يعد ظرفيا أو هامشيا بل غدا ظاهرة دائمة وواقعا حيا تلمسه وأنت تزور بعض الأحياء في دول أوروبا وخاصة فرنسا. ومع ذلك فإنّ اندماج الجالية العربيّة الإسلاميّة في الغرب تشُوبُه حواجز كثيرة، ولعل أبرزها ما يتعرض له أطفالها من صعوبات لغوية تشكل عائقا هاما في حياتهم المدرسية، مما شَرْذَمَهُمْ بين ثقافتين: فلا هم انْدَمَجُوا في محيطهم اندماجا طبيعيّا واعيا ولا هم عمقوا جذور التواصل مع حضارتهم وهويتهم.
وفي إطار العناية بهذا الجيل من خلاب ِتحسّس مشاكله و محاولة إدماجه الإدماج الصّحيح في بيئته مع تعميق هويته الأصليّة، بدأ تدريس العربية يتبلورُ في أوربّا متجاوزا البدايات المحتشمة التي كانت مقصورة على بعض المتخصّصين في دَوَائِرِ الْبَحْثِ، كي يشمل كل الأعمار من الروضة إلى الجامعة. و في هذا الصّدد، تقول المدرسة سيدة قدسي التي أنفقت عشرين سنة على تدريس العربية: “لقد كان الجيل الأول وحيدا في الغرب. فإذا انتبه إلى ضرورة وجود عائلته معه انتبه في الآن نفسه إلى ضرورة تعليم أبنائه اللغة العربية خوفا من الذوبان في نسق الحياة الغربية.” ويساند الدكتور الحبيب العفاس - صاحبُ منهجَيْ ” أحب اللغة العربية ” و”أتعلم العربية” هذا الرأي بقوله: “إن الإقبال على تعلم العربية في ازدياد سنة بعد سنة. فلو قارنّا بين سنتنا هته 2007 وما قبلها بعشر سنوات، لوجدنا أن عدد المقبلين على العربية قد ازداد بشكل واضح”. و يكفي اليوم أن نذكر أن عدد تلاميذ مدرسة النجاح مثلا يقارب الثماني مائة تلميذ بينما لم يكن يتجاوز في سنتها الأولى ـ قبل ثلاث عشرة سنة ـ السّتّين فقط. وهذا معهد اللسان ما يزال في سنته الأولى ويحتضن مع ذلك قرابة المائتي تلميذ. ويواصل الدكتور العفاس قائلا:” الإحساس بأهمية العربية يتنامى سنة بعد سنة. فربط الآباء أبناءهم بهذه اللغة هو ربطهم بدينهم وحضارتهم وهذا أمر أساسي له أسبابه. فجل العائلات لها تواصل يومي مع الفضائيات العربية أو الإذاعات المحلية مثل إذاعة الشرق وغيرها، مما يجعل الحديث عن اللغة العربية أو وبها هاجس الآباء.”
واللاّفت للانتباه فعلا هو اهتمام الجيل الثاني النّاشئ في الغرب الاهتمامَ البالغ بالعربيّة حتّى إنّ بعضه لَيُسافِر إلى الدول العربية كمصر وسوريا واليمن للتّعمّق فيها وفي هذا يقول العفاس: ” إن الكثير من هذا الجيل يفكر في كيفيّة توفير تربية إسلامية لابنه الّذي لم يتجاوز العامين، حيث لا مدخل لهذه التربية غير اللغة العربية. وهذا ما يعطي فعلا قوة لهذا التعليم رغم أنه شبه منعدم في المؤسّسات الرّسمية. وقد لمسنا هذا حتى في العائلات محدودة الثّقافة أو التّديّن”. إن بعض المدارس والمعاهد والمساجد تعيش يوم الأربعاء والسبت والأحد حراكاوحيوية حيث يتوافد عليها المئات من الآباء أو الأمهات يتكبدون زحمة المواصلات وتعب الطريق أسبوعيا من أجل أن يحضر أبناؤُهم درس اللّغة العربيّة.
وأمّا الأسباب الموضوعية التي كرّست هذه العودة فَهِيَ مسألة البحث عن الهوية وانتشار العنصرية والتفرقة والتمييز بين الأعراق. يقول العفاس: “إنّ المجتمعات الأوروبية كلّها تبحث عن هويتها اليوم. فالفرنسيون يبحثون عن هويتهم وكيف يدعمونها وهذا البحث دفع بالجاليات الأخرى إلى الأمر نفسه بعد أن كادت تذوب في الثقافة الفرنسية والكثيرون هم المهاجرون الّذين غيّروا اسمهم وانقطعوا تماما عن أصولهم، وكان لهذا سلبياتٌ كثيرة نرى نتائجها الآن في الضواحي الباريسية . هذا الشعور اليومي بالعنصرية في المدارس والمعاهد والجامعات أو خارجها ذهب بهذا الجيل إلى التماس معاقل تحميه وتحمي أطفاله فاتّجهوا إلى تعلم العربية قصد بناء شخصيّة متّزنة بين الماضي والحاضر، بين الأنا والآخر، وهذا نجده حتى لدى العائلات البعيدة عن الدين وطلبة معهد العالم العربي أكبر شاهد على ذلك.”
أما بالنسبة إلى غير المسلمين فهناك أربعة عوامل أو أكثرُ وراء الإقبال على هذا التّعليم هي:
1 ـ التبادل التجاري إذ إن تزايد عقود العمل اليوم مع العالم العربي وخاصة مع دول الخليج شجع هؤلاء الأجانب على تعلم العربية، فَأقبلوا عليها لمّا صارت ضرورية في حياتهم، من شأنها أن تسهّل لهم سبل التواصل والتعامل المباشر مع المجتمعات الخليجية سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد أو على مستوى المؤسسات.
2 ـ السياحة: إن طبيعة العالم العربي المتميزة تستقطب كل سنة آلاف السياح واحتكاكُ هؤلاء بالشّعب العربيّ جعلهم يحبون لُغته. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنّ ما يروّج اليوم من مغالطات عن هذا الجزء من العالم عبر وسائل الإعلام جعل شريحة لا بأس بها من الغربيين تبحث بوسائلها الخاصة عن الحقيقة بعيدا عن التّضليلات فقام هؤلاء بزيارات إلى المغرب ومصر وسوريا واليمن… فوجدوا كما يقول الدكتور العفاس : “عناصر في الثقافة العربية قد استهوتهم مثل الخط العربي والموسيقا وحسن الضيافة…” فإذا رجعوا إلى بلدانهم أقبلوا على تعلم اللغة العربية.
3 ـ الزواج المختلط: كان من نتائج انتشار هذا الزواج تعلمُ اللغة العربية. فالفرنسية التي تزوجت عربيا عليها أن تفهم ثقافته وحضارته. والفرنسي الذي تزوج بفتاة من أصل عربي عليه أن يتواصل مع ثقافها الأصليّة التي مازالت تحتفظ برواسب منها. فميشال أوسلو في فيلمه ” آزور وأسمر ” أكّد على أنّ التزواج بين اللغات والثقافات والأديان سبيل للتعايش والتسامح.
4 ـ الصحافة: إن الأحداث المشتعلة في الشرق الأوسط سواء في فلسطين أو في العراق جعلت مراسلي القنوات الغربية يُقبلون على تعلم العربية كي يتفاعلوا مع الأحداث مباشرة دون الاستعانة بمترجمين. فمجلة لوموند دبلوماتيك ستصدر مستقبلا ملحقا لها باللغة العربية وقناة فرنسا 24 على أهبة تخصيص ست ساعات بث يوميا بالعربية.
أمّا الدكتور ماهر الـمنجّد فلَهُ رأي مختلف عبّر عنه كما يلي: “الإقبال على تعلُّم اللغة العربية في فرنسا نسبي وليس بِالهائل. فاللغة العربية لغة أجنبية كغيرها من اللغات االدّخيلة، والحكم على الإقبال عليها بأنّه شديد أو غير شديد يستدعي دراسة مقارنة بينه وبين الإقبال على غيرها من اللغات الأجنبية الأخرى، إنْ على مستوى عدد التّلاميذ الّذين يدرسونها أم على مستوى نسبة المعاهد الّتي تلقّنها. ولذلك كله أرى أن الإقبال على تعلم العربية هو نسبي حسب الزاوية التي ننظر منها، ولكنه إقبال ولا شكّ يزداد باستمرار، والحكم بازدياده نابع من المقارنة الزمنية بين واقع تعلم العربية حالياً والواقع الذي كانت عليه منذ عشر سنوات فأكثر، ويمكن تعليل هذا التطور بعدة أسباب منها ما يعود إلى تغيرات داخلية ومنها ما يتعلق بعوامل خارجية.
فعلى الصعيد الداخلي يمكننا التحدث عن عامل ازدياد الوعي لدى فئات المجتمع الفرنسي التي من أصول عربية مسلمة حيث بدأتْ تدرك ذاتها، وأبعاد وجودها، وضرورة البحث عن هويتها وأصولها الثقافية والحضارية. يضاف إلى ذلك كثيرٌ من الفرنسيين الذين بَدَؤُوا يهتمون بتعلّم العربية للاطلاع على الثقافة والحضارة العربية على نحو شخصي بعيداً عما تقوله أجهزة الإعلام التي فقدت مصداقيتها عند الكثيرين منهم، نتيجة تسَيُّسِها وانحيازها ومبالغاتها وأحياناً لتضليلها الرأيَ العام.
بالنسبة إلى العوامل الخارجية فلا شك أن أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وتطور قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والحرب الأمريكية على العراق وما أنتجَته من خراب ومجازر مستمرة، وردود أفعال المتطرفين… كلُّ ذلك دفع الكثيرَ من المثقفين الفرنسيين إلى تفهّم حقيقة ما يجري بعمق في الواقع النازف، وأن يطلعوا على حقيقة الثقافة العربية من خلال بوابتها اللغوية. وقد لمستُ ذلك من خلال تجربتي الخاصة، فكان من طلابي نماذج مثيرة للاهتمام حقاً، إذ كان فيهم أطباء ومهندسون ومحامون ومتخصصون في البيولوجيا والكيمياء وعلم الاجتماع والمعلوماتية والعلوم السياسية… وكنت أهتم دائماً بفهم سر إقبالهم على العربية.”
2 ـ المناهج المعتمدة في تدريس اللغة العربية:
هناك تجارب قيّمة في تعليم العربية في فِرَنْسَا على أنّها تحتاج إلى توجيه كما يُؤخذ عليها إهمالها لنفسية التلميذ وطبيعة الفضاء الغربي الذي يعيش فيه. ومن ثمّة، وَجَبَ التّنسيقُ بين مختلف المدارس وأصحاب المناهج حول طرق التدريس وبِغاية تذِلِيل الصعوبات المواجَهَةِ وحَتَّى تتوسع دائرة المعارف والعلاقات بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْمُؤَسَّسات الْمَعْنِيَّةِ فَيَتَوَاصَلَ التلميذ مع غيره من المتعلمين ويُحِسَّ بِعُصْبَةٍ تُشَجِّعُهُ علَى الاسْتِمْرارِ في هذه الطَّرِيقِ الصَّعْبَةِ عَلَيْهِ. كما يجب التنسيق مع المدارس الفرنسية والاطلاع على مناهجها وخططها في التّعليم لِمَزِيدٍ من الاستفادة لأن اللغات تنمو وتتطور بالالتِقاء والاحتكاك.
ومن بين المناهج الّتي نجدها اليوم، تلك الّتي اعتمدت على اللغة الوسيطة الفرنسية - العربيّة الاستشراقيّة، فَالْمُعْتَمِدَةَ على اللغة العربية فقط مع تبسيطها مثلما فعل الدكتور الحبيب العفاس في منهجه الذي تطبقه الكثير من المدارس والجمعيات فَكتبَ مدرسة الأمل. وأما المدارس العربية التابعة لدولها مثل المدرسة العراقية والليبية والسعودية فقد اعتمدت على مناهجها القطرية مما يحد من إشعاعها ويعزلها عن التفاعل مع محيطها الفرنسي.
وعليه فرغم بعض الجهود الحثيثة في هذا المجال إلا أنّها تبقى محدودة لا تغطي احتياجات الراغبين في اللغة العربية وفي هذا تقول السيدة قدسي: “إن طرق تدريس اللغة العربية في الغرب تختلف تماما عن تعليم اللغة العربية في الدول العربية فعلى المدرس القادم من تلك الدول أن يندمج هو أولا في المجتمع الجديد عَلَّهُ يدرك كيف التعامل مع الطّلاّب الفرنسيّين وما هي حاجاتهم؟ ولهذا لا بد من مناهج خاصة تحترم اهتمامات الطفل وتُسايِرُ استيعابه للغة أجداده وتحبُّبُه فيها. بيْدَ أَنَّنا إلى حد السّاعة ورغم المحاولات الجادة لم نصل بعدُ إلى المرغوب.” ويتفق معها الدكتور ماهر الـمنجّد فيما ذهبت إليه فَيَقُولُ: “لا شك أنّه لا بدّ من مناهجَ متطورةٍ لتعليم العربية. وأنا إذْ أعلنُ هذا إنّما أنطلق من واقع تطبيقي وأستشهد بتجربتي الخاصة كما أحلّل ما هو شائع في الساحة الاستهلاكية عموماً. لا غرو أنّه يجب أخذ ظروف الحياة الفرنسية وطبيعة إيقاعها اليومي بعين الاعتبار في مناهجَ تتأقلم مع الواقع من ناحية وتستفيد من التكنولوجيا المعاصرة من ناحية أخرى. ولذلك فقد قمتُ بتطوير أساليب ومناهج تستفيد من ميدان المعلوماتية وتستخدم وسائل متعددة سمعية مرئية أطبقها في التعليم، فَأَعْطَتْ نتائج جيدة. فكلّ النصوص اللّغويّة المبرمجة، سجّلتها على ملفّات إلكترونيّة يمكن بثّها في جهازMB3 ليذاكرها الطالب أثناء تنقله في المواصلات، وكذلك أستخدم في التدريس شاشة عرض كبيرة تعرض المنهاج المدرّس وبعض الأفلام التربوية. وكنتُ قد شاركتُ في تطوير برنامج معلوماتي ضخم لتدريس العربية وهو من ثمانية أقراص أنتجته شركة Auralog ” المتخصصة في صنع برامج تعليم اللغات، وكان هذا البرنامج بطلبٍ من جامعة أميركية تُدرّس العربية.
وما من شك أن عقلية المدرس الجامعي الذي يؤهل أساتذة المستقبل - حيث درّستُ موادَّ النحو والصرف والبلاغة لطلاب كلية الآداب في الجامعة السورية - قد أفادتني كثيراً في طرق تعليم العربية. وقد كنتُ أتعاون مع بعض المعاهد في باريس واضعاً خبرتي في خدمتهم، ولكن المشكلة أن أكثر تلك المعاهد يتولى تدريسَ العربيةِ فيها أناسٌ غيرُ متخصصين، فكان التعامل معهم صعباً وغير مُثمر، ولا سيما عندما تأخذهم العزة بالجهل، فيفرضون رأيهم الخاطئ، ويرفضون الاعتراف بأنهم ليسوا من أهل الاختصاص، وينسون أنهم غير مؤهلين أصلاً للتدريس فما بالك عندما ينبرون لتأليف مناهج لتعليم العربية؟ والإناء بما فيه ينضح، وفاقد الشيء لا يعطيه!
ولذلك كان من نتائج سيطرة غير المتخصصين على تدريس العربية أننا نجد أن معظم المناهج المنشورة في فرنسا تعجّ بالأخطاء النحوية والصرفية واللغوية وحتى الإملائية والتربوية. ولا أبالغ إذا قلتُ إنها جريمة كبرى أن ندرّس الخطأ لأطفالنا، وهذه خيانة للعربية وثقافتها، وتشويه لها، واعتداء عليها، وتخريب لبنيانها!
وإني أنادي بتشكيل هيئة علمية لغوية، تجمع فريقاً من أهل الاختصاص حصراً، ومن ذوي الكفاءات العلمية العالية، لتكون مرجعاً أكاديمياً لعلوم اللغة العربية وآدابها وأصول تدريسها في فرنسا، أي ما يشبه مجمعاً لغوياً مصغّراً. وهذا يتطلّب مؤسسةً وإمكاناتٍ، فهل هناك يا تُرى مَن يسمع النداء؟).
3 ـ الصعوبات والعوائق والمستقبل:
لا شك أن اللغة العربية قد وجدت اليوم مكانا في الغرب ولكنه مكان غير آمن لأنّ المتحامل عليها ما يزال موجودا. رغم ذلك تبقى إرادة الآباء - مهماً كان الجِيلُ الّذي ينتمون إليه - صامدة في هذه السّبيل حتى ولو كان ذلك بوسائل متواضعة لم ترق إلى الهدف المنشود إلا أنها تجني ثمارها من سنة إلى أخرى. فمثلا نجد أن الذين يُدَرِّسُونَ اليوم في مدرسة الشيخ أيوب هم التلاميذ ذاتهم الذين كانوا يَدْرُسُون بها بالأمس. وعليه فمع ازدياد المقبلين على تعلمها تزداد التحديات أكثر أمام الآباء والمدرسين وواضعي المناهج وفي هذا تقول السيدة قدسي: “لا ننتظر من الآخر الأخذَ بِيَدِنا على طَرِيقِ لُغَتِنا العربية بل علينا آباء ومدرسين ومسؤولين تحقيقُ ذُوَاتِنا. كان المراهقُ رافضا للعربية متعللا دائما بكثرة دروسه الفرنسية المقرّرة، ولكنّه بمرور السنوات، عاد من تلقاء نفسه إلى تعلمّها لأنها أضحت إحدى المواد الممتحن فيها والّتي من شأنها أن تمكّنه من معدّل جيّد و لأن تعلمّها يفتح له آفاق عمل داخل فرنسا
وخارجها. ثمّ إنّه ازداد وعيا بتقدّم السّنّ فوجد أن هذه اللغة تمثل مكونا من مكونات شخصيته.” ويدعم الدكتور الحبيب العفاس رأيها بقوله:” يجب أن يكون للمؤسسات والجمعيات التي تدرس في فرنسا رؤية واضحة واستراتجية دقيقة حتّى تأخذ هده اللغة مكانها إلى جانب اللغات الأخرى. ولا يكون هذا إلاّ من خلال دق الأبواب على المؤسسات الحكومية الفرنسية للتأكيد على أهميتها الحضارية والجمالية والموسيقية ، فمن واجبنا اليوم فتح الجسور بيننا وبين أصحاب القرار ومحاوراتهم حتى تستقرّ العربية بطريقة طبيعية إلى جانب اللغات الأخرى.” وهدا ما نراه مثلا في ثانوية بلزاك التي فتحت فرعها العربيّ منذ خمس سنوات فإذا بها تضم اليوم حوالي سبعين طالبا يدرسون اللغة العربية كلغة حية على غرار الانجليزية والاسبانية والألمانية والبرتغالية والإيطاليّة. وجدير بالملاحظة أنّ فرع بالزاك انطلق في بدايته بخمسة تلاميذ. ويواصل العفاس:”وأنا الخبير، عندما أستدعى للحديث عن اللغة العربية ومكانتها في فرنسا أقول: “تعلم العربية اليوم اختيار عائلي. وأنا عائلُ أسرة ألتمس تعليمها لأبنائي بيد أنِّي لا أجدها إلا في إطار الجمعيّات. فإذا ما أدرجت يوما في المدارس الحكومية الفرنسية سأكون أول من يضع أبنائي فيها، لأني على يقين أنّ تعليمها في إطار حكومي وتحت إشراف وزارة التربية سيكون له فوائد ونتائج هامة وسَيُمَدُّ بإمكانات أكثر كما سيحظى بالمناهج اللازمة مما سيعيد الاعتبار للتلاميذ من ذوي الأصول العربية. إن التلميذ ساعتها سيدرس لغته في جوّ إيجابي وطبيعي مثل غيرها من اللغات وهذا سيساهم في رفع كثير من الالتباسات والمغالطات التي يحيكها البعض عن العربية ومن واجب الحكومة الفرنسية اليوم أن تأتي بالحلول لأنها هي المسؤول الأول في هذه البلاد ولأن الحلول في إطار الجمعيات موجودة رغم العراقيل الّتي يسبّبها الكراء وتسديد رواتب المعلمين ووضع المناهج.
4 ـ الخلاصات من التحقيق:
اللّغة العربيّة خامس لغة في فرنسا من حيث التّعليم العالي ومن حيث العددُ بعد الإيطاليّة وقبل الصّينيّة. وتعليمها قديم كما أنّ تبريز اللّغة العربيّة من أقدم ما يوجد في هذه الرّبوع.
وقد بلغ عدد الطلاب الذين يدرسونها في المؤسسات الرسمية الفرنسية ـ مدارس ومعاهد وجامعات ـ 6000 إلى 8000 تلميذا وطالبا، بما فيه Le CNED والتّعليم الخاصّ.
وخارج الإطار الرسمي هناك حَوَالَى عشرة آلاف طالب يدرسون العربية. وعليه فالاهتمام باللغة العربية اليوم أمر بديهي لا ريب فيه. بيد أنّ ترجمته على أرض الواقع، في ظل تصاعد التخويف من العرب ولغتهم، يبقى صعباً. كما أنّ “مشكلة”الفصحى والعامّيّات، يُعتبَر من أكبر العراقيل في سبيل هذا التّدريس لأنّه يحدث مشكلا بيداغوجيّا حسب المنظور الفرنسيّ لِلمسألة، وما ينشر في هذا الميدان لا بدّ أن يأخذ بعين الاعتبار اللّغتين، لا سيّما فيما يتعلّق بالحكاية والأدب الشّعبيّ.
وامتلاك العربيّة تطوير لقدرات الأطفال الإبداعية ولنشاطاتهم الفكرية والاجتماعية قصد تكوين المواطن الصالح المبدع المتقن لأكثر من لغة. ولذلك فَمن الضروري دراسة المشاكل النفسية والتّربويّة والثقافية والاجتماعية التي يعانيها أبناء المهاجرين بحكم أنهم يشكلون الأغلبية من القطاعات المقبلة على تعلم اللغة العربية، دراسةً علمية من طرف المسؤولين.
ضرورة التنسيق مع الجهات الرسمية من بلديات ودور رعاية الشباب ووزارة الثقافة وضرورة المطالبة بحقوقه حتى يبزغ اليوم الذي نرى فيه اللغة العربية مبرمجة مثل غيرها من اللغات الحية في كل المدارس والثانويات والجامعات الفرنسية. وبداية الغيث قطرة كما يقال، ونحن نجد اليوم قرابةَ ألف تلميذ يدرسون العربية في المستوى الابتدائي، في المدارس الحكوميّة الفرنسيّة، في إطار ما يسمى l’enseignement d’initiation de langue étrangère
أما الطريف الذي نختم به هذا التحقيق فَهو إقبال الأجانب على تعلم العربية لغة الخط والشعر والموسيقا والحضارة، هذه اللّغة الّتي أغنت الإنسانية بعلوم وفنون وآداب يوم حافظت على تراث الأمم السابقة بِترجمتها ثمّ إثرائها وهذا ما يمكن أن يكون موضوع تحقيق آخر.
ـــــــــــــــــ
ـ يحيى عبد المبدي محمد ” في الذكرى الرابعة لهجمات سبتمبر: الأزمة لم تكن للعرب الأميركيين شرا مطلقا.” المصدر: الموقع الالكتروني : تقرير واشطن
HYPERLINK “http://www.taqrir.org/index.cfm”
HYPERLINK “http://www.taqrir.org/index.cfm”
http://www.taqrir.org/index.cfm
http://www.taqrir.org/index.cfm
ـ السيدة سيدة القدسي مدرسة في مدرسة النجاح.
ـ الدكتور الحبيب العفاس ـ دكتور في علوم التربية سنة 1994. وصاحب منهج “أحب اللغة العربية” ومنهج “أتعلم العربية” وله كتابات أخرى وهو صاحب مكتبة الأندلس.
الدكتور ماهر الـمنجّد عضو هيئة تعليمية في جامعة دمشق ـ كلية الآداب دكتوراه في الأدب المقارَن والتبادلات الثقافية والألسنية من جامعة السوربون باحث في مركز البحوث حول الأدب العام والمقارن في جامعة السوربون مدرس مادة التفسير وعلوم القرآن في المعهد العالي للعلوم الإسلامية في باريس
Hitti.P.K. History of the Arabs.londres.1914